في تحذير غير مسبوق، دقّت عشر منظمات حقوقية ناقوس الخطر إزاء ما وصفته بسياسة ممنهجة لـ«الترحيل المُقنَّع» بحق اللاجئين واللاجئات السوريين في مصر، محذّرة من انزلاق خطير يحوّل فئات واسعة من المقيمين واللاجئين إلى «مخالفين» بحكم الأمر الواقع، ويضعهم تحت تهديد دائم بالقبض والاحتجاز والإبعاد القسري، في انتهاك صارخ للدستور المصري والتزامات الدولة الدولية.

 

المنظمات، في بيان مشترك، أكدت أن ما يجري لا يمكن اختزاله في إطار «تطبيق قوانين الإقامة»، بل يمثل تصعيدًا أمنيًا وإداريًا واسع النطاق يستهدف السوريين بصورة انتقائية وتمييزية، ويفرغ منظومة الحماية الدولية للاجئين من مضمونها، عبر دفعهم قسرًا إلى مغادرة البلاد تحت وطأة الخوف وعدم الاستقرار القانوني.

 

تصعيد بلا سابق: من التنظيم الإداري إلى العقاب الجماعي

 

تشهد مصر منذ شهور تصعيدًا غير مسبوق في التعامل مع ملف اللاجئين والمهاجرين، تجلّى بشكل خاص في الإجراءات التي طالت السوريين.

 

فقد أدّت قرارات إدارية مفاجئة، منذ عام 2024، إلى تعطيل تجديد الإقامات السياحية وتشديد شروط الإقامة وربطها بمسارات محدودة، مثل التسجيل لدى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين أو الدراسة أو الاستثمار، دون توفير بدائل واقعية أو جداول زمنية معقولة.

 

هذه السياسات دفعت عشرات الآلاف من السوريين إلى حالة «عدم انتظام قانوني» قسري، لا بسبب امتناعهم عن الالتزام بالقانون، بل نتيجة انسداد فعلي لمسارات التقنين، في ظل مواعيد قد تمتد لعامين فقط لحجز موعد لدى إدارات الجوازات والهجرة. وبينما حاول كثيرون الالتزام بالإجراءات الرسمية، وجدوا أنفسهم عالقين في فراغ قانوني تتحمل مسؤوليته السلطات، لا الأسر والأفراد.

 

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ فُرض على غير المسجلين مسار تقنين وصفته «منصة اللاجئين في مصر» سابقًا بأنه «استغلال من منظور عقابي»، شمل اشتراط دفع مبلغ ألف دولار أو ما يعادله، مع تقديم مستضيف مصري، في إجراء قالت المنصة إنه يخالف القانون ولا يحقق أي غرض مشروع.

 

من الورق إلى الشارع: حملات أمنية واحتجاز إداري مفتوح

 

ترجم هذا الفراغ القانوني إلى واقع ميداني بالغ القسوة. فبحسب الإبلاغات الحقوقية، شهدت محافظات القاهرة والجيزة والإسكندرية، إلى جانب الغردقة، حملات تفتيش وكمائن أمنية موسّعة بين الأسبوع الثاني من يناير 2026 وتاريخ نشر البيان، استهدفت أحياء معروفة بتجمعات سورية.

 

في هذه الحملات، جرى توقيف أفراد وعائلات من الشوارع وأماكن السكن والعمل، بدعوى عدم حمل إقامة سارية أو لمجرد «الاشتباه»، وشمل ذلك أشخاصًا مسجلين لدى مفوضية اللاجئين أو يحملون مستندات رسمية تفيد بحجز مواعيد لتجديد الإقامة. وفي عدد من الحالات، قررت النيابة العامة إخلاء سبيل المحتجزين لغياب نص تجريمي لوضعهم، معتبرة أن انتظار تسوية الإقامة وضع قابل للتصويب قانونًا.

 

إلا أن الإفراج، وفق ما وثقته المنظمات، لم يُنفّذ عمليًا في كثير من الأحيان، حيث استمر احتجاز الأشخاص على «ذمة الأمن الوطني أو الجوازات والهجرة» في صورة احتجاز إداري مفتوح، دون سقف زمني أو رقابة قضائية فعالة، مع مطالبة بعض العائلات بحجز تذاكر سفر تمهيدًا لإبعاد ذويها خارج البلاد.

 

اعتراف دبلوماسي يضاعف المخاوف

 

ازدادت خطورة هذا النمط مع صدور بيان عن السفارة السورية في القاهرة يعترف بوجود حملات أمنية تستهدف السوريين، ويقدّمها بوصفها إجراءات «اعتيادية» لتدقيق الأوضاع، متجاهلًا – بحسب المنظمات – الطبيعة الانتقائية والتمييزية لهذه الحملات، وتأثيرها المباشر في تعريض آلاف الأسر لخطر الاحتجاز والترحيل، رغم استمرار المخاطر الجسيمة في بلد الأصل.

 

انتهاك صارخ للقانون الدولي والدستور

 

أكدت المنظمات أن هذه الممارسات تتعارض بشكل مباشر مع التزامات مصر بموجب اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين وبروتوكولها لعام 1967، ولا سيما مبدأ عدم الإعادة القسرية، الذي يحظر إعادة أي شخص إلى بلد قد يتعرض فيه لخطر على حياته أو حريته.

 

كما تتناقض مع العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يحظر الاحتجاز التعسفي ويكفل الحق في مراجعة قضائية فعالة لقرارات الحرمان من الحرية والإبعاد.

وأشارت إلى أن التوسع في استخدام الاحتجاز الإداري في قضايا الهجرة، دون ضمانات أساسية مثل حق الاتصال بمحامٍ وإبلاغ الأسرة والوصول إلى المفوضية، يخالف المعايير الدولية التي تؤكد أن الاحتجاز يجب أن يكون إجراءً استثنائيًا وملاذًا أخيرًا.

 

خطاب عدائي وتشريع أمني

 

لا ينفصل هذا التصعيد، وفق البيان، عن سياق أوسع يتسم بتنامي الخطاب المعادي للأجانب وشيطنة اللاجئين باعتبارهم «عبئًا» أو «تهديدًا»، بالتوازي مع تمرير إطار تشريعي للجوء يكرّس مقاربة أمنية على حساب الحقوق، كما حذرت مراجعات قانونية سابقة لمسودات قانون اللجوء في مصر.

 

هذه البيئة، بحسب المنظمات، لا تنتج فقط الوصم والتمييز، بل تدفع مقدمي الخدمات والمنظمات الإنسانية إلى تقليص أنشطتهم، ما يعمّق الأزمة الإنسانية ويترك اللاجئين دون شبكات دعم كافية.

 

آثار إنسانية مدمّرة

 

يحمل هذا النهج آثارًا إنسانية عميقة، إذ يدفع آلاف الأسر السورية إلى العيش في خوف دائم من القبض والاحتجاز والترحيل، ويقيّد حقوقهم الأساسية في العمل والتعليم والرعاية الصحية، ويزيد من تعرضهم للاستغلال الاقتصادي والأمني. كما يقوّض جوهر الالتزامات الدستورية التي تكفل الكرامة الإنسانية وتحظر التمييز، وتمنح الاتفاقيات الدولية قوة القانون.

 

مطالب عاجلة لوقف الانتهاكات

 

اختتمت المنظمات بيانها بسلسلة مطالب عاجلة، أبرزها الوقف الفوري لحملات التوقيف والاحتجاز والترحيل القسري على أساس وضع الإقامة فقط، والإفراج عن جميع المحتجزين في مخالفات إدارية قابلة للتسوية، والامتناع الكامل عن أي قرارات إبعاد بحق السوريين التزامًا بمبدأ عدم الإعادة القسرية.

 

كما دعت إلى وضع مسارات قانونية واضحة وعادلة لتقنين الأوضاع، والاعتراف بالمستندات المؤقتة، وضمان رقابة قضائية فعالة على أي احتجاز متصل بالهجرة، وتطبيق بدائل غير احتجازية، وتمكين المفوضية السامية لشؤون اللاجئين من الوصول الكامل إلى المحتجزين وتقديم المشورة القانونية لهم والطعن في قرارات الترحيل قبل تنفيذها.

 

حماية اللاجئين… التزام لا يقبل الالتفاف

 

وشددت المنظمات الموقعة على أن حماية اللاجئين ليست منحة سياسية ولا ورقة تفاوض، بل التزام قانوني وإنساني أصيل.

 

وأكدت أن سياسات «الترحيل المُقنَّع» لا تؤدي إلا إلى تعميق المأساة الإنسانية، وتقويض سمعة مصر القانونية، ودفع آلاف البشر إلى المجهول، بدل ضمان الحد الأدنى من الأمان والكرامة على أراضيها.

 

المنظمات الموقعة: 1. الجبهة المصرية لحقوق الإنسان 2. المبادرة المصرية للحقوق الشخصية 3. المنبر المصري لحقوق الإنسان 4. المفوضية المصرية للحقوق والحريات 5. إيجيبت وايد لحقوق الإنسان 6. مركز وصول لحقوق الإنسان 7. مؤسسة دعم القانون والديمقراطية 8. مؤسسة سيناء لحقوق الإنسان 9. منصة اللاجئين في مصر 10. منصة الهجرة وحقوق الإنسان 11. مركز النديم