تشهد أوضاع نزلاء سجن “الجغرافي” الكائن بمنطقة سجون برج العرب بمحافظة الإسكندرية حالة من القلق المتزايد، في ظل تصاعد شكاوى الأهالي بشأن ما وصفوه بانتهاكات جسيمة وممارسات قاسية يتعرض لها ذووهم داخل محبسهم، فضلًا عن المعاناة الإنسانية التي يواجهها الأهالي أنفسهم خلال الزيارات.

وبحسب ما رصدته الشبكة المصرية، فإن هذه الانتهاكات باتت نمطًا متكررًا يثير مخاوف حقيقية على سلامة وحقوق المحتجزين، وسط غياب أي استجابة فعّالة لوقف تلك التجاوزات.

 

ووفقًا للشكاوى الواردة، تُجرى داخل السجن حملات تفتيش مفاجئة ومتكررة، تتسم – بحسب شهادات الأهالي – بالتعنت والتنكيل بعدد كبير من النزلاء، حيث يتم إيداع بعضهم غرف التأديب في ظروف وُصفت بالبالغة القسوة وغير الإنسانية.

 

وأكدت إحدى زوجات النزلاء أنه تم حرمانها من زيارة زوجها بحجة وجوده في غرفة التأديب، رغم معاناته من أمراض مزمنة خطيرة، من بينها الفشل الكلوي وداء السكري، وهي حالات صحية تستوجب رعاية طبية خاصة ودائمة، الأمر الذي يضاعف من المخاوف بشأن تعريض حياته لمخاطر جسيمة في ظل تلك الظروف.

 

وتشير شهادات متطابقة من الأهالي إلى أن حملات التفتيش لا تقتصر على الإجراءات الأمنية، بل تمتد إلى تجريد الغرف والعنابر من المستلزمات الأساسية، وعلى رأسها الأغطية والملابس الشتوية، تزامنًا مع انخفاض درجات الحرارة ودخول فصل الشتاء.

كما يتم منع إدخال هذه المتعلقات أثناء الزيارات، سواء قبلها أو خلالها، في إجراء وصفه الأهالي بأنه أقرب إلى “عقاب جماعي” يفاقم من معاناة المحتجزين ويعرضهم لمخاطر صحية مباشرة.

 

وفي ظل هذا المنع، يُجبر النزلاء على شراء احتياجاتهم من “كانتين” السجن، الذي يشكو الأهالي من ارتفاع أسعاره بشكل مبالغ فيه ورداءة جودة منتجاته، ما يمثل – بحسب وصفهم – استغلالًا واضحًا لظروف المحتجزين، ويضيف أعباء مالية ثقيلة على أسرهم، التي تعاني أصلًا من ضغوط اقتصادية متزايدة.

 

ولا تقل معاناة الأهالي خلال الزيارات قسوة عن أوضاع ذويهم داخل السجن. إذ يُجبر الأهالي على الانتظار لساعات طويلة في أماكن غير آدمية، تفتقر إلى أدنى مقومات الكرامة الإنسانية، دون توفير دورات مياه أو أماكن للجلوس أو الراحة.

ويبدأ تسجيل الزيارات في السابعة صباحًا، في الوقت الذي يقطع فيه كثير من الأهالي مسافات طويلة قادمين من محافظات بعيدة، أملًا في رؤية ذويهم لبضع دقائق، قبل أن يواجهوا – بحسب الشكاوى – سوء معاملة وإهانات لفظية.

 

وتتفاقم هذه المعاناة مع قِصر مدة الزيارة نفسها، التي لا تتجاوز في كثير من الأحيان عشر دقائق، وقد تنخفض أحيانًا إلى خمس دقائق فقط، وهي مدة لا تحقق الحد الأدنى من التواصل الإنساني بين النزيل وأسرته، وتمثل انتهاكًا واضحًا لحق السجين في التواصل مع ذويه، بما يخالف القواعد والمعايير الإنسانية المتعارف عليها.

 

كما يضطر الأهالي إلى الانتظار طوال اليوم خارج البوابة الرئيسية للسجن، في ظل غياب أي استراحة أو مكان مخصص من قبل مصلحة السجون، ما يعرضهم – وأطفالهم – لمخاطر صحية وبيئية جسيمة، سواء في فصل الصيف تحت أشعة الشمس ودرجات الحرارة المرتفعة، أو في فصل الشتاء مع البرد القارس وسقوط الأمطار، فضلًا عن التلوث الناتج عن عوادم السيارات والغبار.

 

وفي السياق ذاته، يشكو الأهالي من استمرار منع إدخال العديد من الملابس والأغطية، إلى جانب عدم السماح بدخول كثير من الأدوية، لا سيما للمرضى وكبار السن، في ظل النقص الحاد في الأدوية المتوفرة داخل السجن.

وأفاد عدد من الأهالي بأن بعض المرضى يُجبرون على الانتظار أيامًا، بل وأحيانًا شهورًا، قبل عرضهم على أطباء متخصصين، ما يشكل خطرًا حقيقيًا ومباشرًا على حياتهم، ويثير تساؤلات جدية حول مستوى الرعاية الصحية المقدمة داخل السجن.

 

كما يتم التضييق على إدخال الأطعمة، وإجبار النزلاء على الاعتماد شبه الكامل على “كانتين” السجن، رغم الشكاوى المتكررة من رداءة جودة المنتجات وارتفاع أسعارها، الأمر الذي يستنزف المحتجزين وأسرهم ماديًا، ويضاعف من معاناتهم في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة وارتفاع تكاليف المعيشة.

 

وفي ضوء هذه الشهادات، تؤكد الشبكة المصرية تضامنها الكامل مع أهالي نزلاء سجن “الجغرافي”، وتطالب مصلحة السجون بضرورة مراعاة الظروف الإنسانية والقانونية التي يواجهها المحتجزون وأسرهم، والعمل الفوري على وقف كافة أشكال الانتهاكات، وإزالة المعوقات التي تحول دون الزيارات، فضلًا عن إنشاء استراحة أو مكان لائق يحفظ كرامة الأهالي أثناء انتظارهم.

 

كما توجه الشبكة المصرية نداءً عاجلًا إلى النائب العام المستشار محمد شوقي وكافة نوابه، للمطالبة بإجراء تفتيش دوري وجاد على منطقة سجون برج العرب، والوقوف على حقيقة الأوضاع داخل السجون، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لضمان احترام حقوق المحتجزين، وتسهيل الزيارات، ووقف كافة أشكال التضييق والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية، بما يكفل الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية داخل أماكن الاحتجاز.