ليس كل ما يُعلَّق عليه شعار الكتاب يصبح فضاءً للمعرفة. هذه هي الخلاصة المرّة التي يخرج بها كثير من الكتّاب والناشرين من الدورات الأخيرة لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، حيث لا يعرض المعرض – في صورته الراهنة – إلا ما حصل على موافقة أمنية مسبقة، لا بوصفها إجراءً شكليًا، بل بوصفها «بوابة العبور الوحيدة» إلى الرفوف والندوات.

 

في قلب الشهادات المتكررة تتكرس صورة خطرة: دولة تريد أن تكون القارئ الأوحد، تراقب ما يُنشر، وتنتقي ما يُعرض، وتحوِّل رئيس المعرض وإدارته إلى ترس في ماكينة أوسع، هدفها ضبط المجال الثقافي لا تحريره. هكذا يصبح كتاب مفكر كـ سعد الدين إبراهيم ممنوعًا لمجرد اسمه، وتتحول الندوات إلى «ممر حذر بين الألغام»، يتلقى فيه الضيف تعليمات مبطّنة من نوع: إيّاك من كذا.. بلاش النقطة دي.

 

معرض بإذن أمني: من فضاء حر إلى شاشة عرض لنسخة واحدة من الحقيقة

 

الفكرة الجوهرية لأي معرض كتاب محترم في العالم هي حرية الفكر وحرية الاختيار: أن يقرأ المواطن ما يشاء، لا ما تقرّره أجهزة تابعة للسلطة. لكن في الحالة المصرية، يؤكد ناشرون وكتّاب أن المعروض في معرض القاهرة الدولي للكتاب يمر عمليًا عبر غربال أمني لا يخضع لمعايير مكتوبة أو شفافة.

 

تقرير لمؤسسة حرية الفكر والتعبير عن الدورات السابقة للمعرض يوثّق كيف تتحرك الأجهزة الأمنية خارج حتى الأطر الرسمية للرقابة؛ بمصادرة كتب، ومداهمة دور نشر، ورفع عناوين من الأجنحة «دون قرار مكتوب أو جهة معلنة»، لتصبح كلمة «الأمن» هي الحكم النهائي في ما يُعرض وما يُخفى.

 

هذه الصورة لا تبقى في مستوى المنظمات الحقوقية، بل يؤكدها ناشرون مشاركون فعليًا في المعرض.

 

الناشر يحيى فكري، المدير التنفيذي لدار المرايا للثقافة والفنون، يروي لـ العربي الجديد أن اسم داره حُذف من منصة التسجيل الخاصة بالهيئة المنظمة لمعرض 2026 للعام الثاني على التوالي، «دون أي إخطار أو سبب»؛ لائحة المعرض تمنح الإدارة حق المنع دون تسبيب، فلا يجد الناشر أمامه أي مسار قانوني للطعن أو الاعتراض.

 

وفي تقرير آخر، يرصد موقع درج شكاوى كتّاب مثل أنور الهواري، الذي فوجئ بإنزال كتابيه السياسيين من الأرفف «بقرار غير معلومة جهته ولا سند له من القانون»، بعد أن عُرضا بالفعل في المعرض. هذه الوقائع تؤكد ما يقوله الكتّاب داخل النص الذي أرسلته: أن الفكرة تُصادر قبل أن تُفتح الصفحة الأولى، وأن الدولة لا تكتفي بضبط حدود النقاش، بل تحاول كتابة النص الثقافي نفسه.

 

كتّاب ودور نشر بين المنع والتطفيش: من سعد الدين إبراهيم إلى دار المرايا وتنمية

 

منع كتب الراحل د. سعد الدين إبراهيم من دخول المعرض – رغم أنها دراسات علمية ناقدة لا تتضمن تحريضًا على عنف ولا دعوة لهدم الدولة – مثال كاشف على أن الاسم وحده صار جريمة. الكتب لا تُقرأ، ولا يُفحص مضمونها، بل يُكتفى بوسم صاحبها سياسيًا ليُقصى من المجال الثقافي الرسمي.

 

ما جرى مع سعد الدين إبراهيم يتجاوب تمامًا مع ما رصده تقرير درج عن كتاب «42 شارع القصر العيني» للدكتور خالد عبد الرحمن؛ دار النشر لم تستطع حتى الحصول على رقم إيداع، فعُلِّقت طباعة الكتاب نفسه، دون سبب معلن، فقط لأن الموضوع «حساس» ويتناول تاريخ نقابة الأطباء وصراعاتها.

 

القائمة تطول:

 

•  الكاتب محمد مدحت مصطفى أُبلِغ بسحب كتابه عن تاريخ الحركة الصهيونية وتنظيماتها من المعرض رغم حصوله على رقم إيداع؛ مدير النشر في دار المنتدى سيد صابر يؤكد أن «جهات أمنية» طلبت رفع الكتاب دون إخطار مكتوب.

 

•  دار عصير الكتب تشكو من تجاهل طلباتها المتكرر للمشاركة؛ لا رفضًا صريحًا ولا قبولًا، فقط صمت إداري يصبح في ذاته أداة عقاب.

 

•  دار تنمية ممنوعة من المعرض منذ 2018 على خلفية قضية مؤسسها خالد لطفي؛ حتى بعد الإفراج عنه، لم تعد الدار إلى أجنحة القاهرة، واضطرت لتنظيم «مهرجان تنمية الثقافي» كمبادرة موازية خارج المعرض الرسمي.

 

في ملف دار المرايا، تضيف الناشرة كرم يوسف، مديرة دار الكتب خان وواحدة من الناشرين المشاركين في المعرض، أن حرمان المرايا من المشاركة «أمر مرفوض»، وأنها «دار جادة تنتج معرفة حقيقية»، وتؤكد أن المرايا حاولت بكل الطرق معرفة سبب المنع «ولم تحصل على جواب واحد»، ما يجعل القرار أقرب إلى استهداف سياسي وثقافي مقنّن منه إلى إجراء تنظيمي.

 

هكذا تصبح خريطة المعرض – من حيث لا تعلن – مقسومة إلى:

 

•  دور «مسموح لها» أن تملأ الأجنحة بما لا يزعج السلطة.

 

•  ودور «مطاردة أو مُتطَفَّش منها» تُغلق أمامها الأبواب تدريجيًا، حتى لو كانت جزءًا من المشهد الثقافي لعقود.

 

بين «محور المشير» و«طريق الجيش»: معرض رسمي كبير.. وثقافة صغيرة خاضعة للأوامر

 

صاحب النص الذي أرسلته يطرح سؤالًا ساخرًا ومرًّا في آن واحد:

 

«هل يعقل أن يكون مقر معرض القاهرة الدولي للكتاب، ينحصر ما بين طريقين: طريق (محور المشير) وطريق (الجيش)؟»

 

المفارقة هنا ليست جغرافية فقط؛ بل رمزية أيضًا. المعرض محاصر فعلًا بين منطقين عسكريين:

 

•  منطق البروباغندا الرسمية التي تريد المعرض واجهة براقة تُعلَن فيها أرقام المشاركة بالملايين، و«أجنحة من 80 دولة»، و«1500 دار نشر»؛ أرقام تستعرضها الصحف الحكومية بفخر.

 

•  ومنطق الأمن والسيطرة الذي يحدد، في الكواليس، ما إذا كانت هذه الدار أو تلك «صالحة للعرض»، وما إذا كان هذا الكتاب أو ذاك «مناسبًا لصورة الدولة» أم لا.

 

الناشرون والكتّاب الذين ما زالوا يغامرون بالمشاركة يعرفون جيدًا ثمن الكلمة في هذا الفضاء. كثير منهم يمارس رقابة ذاتية مسبقة: حذف فصول، تهذيب عناوين، مراعاة كلمات بعينها، تجنّب موضوعات بعينها؛ تمامًا كما وصف ناشر «الشبكة العربية للأبحاث والنشر» في حوار سابق مع مدى مصر حين تحدث عن تجنب عناوين تتناول الثورة أو الجيش أو بعض الكتّاب بعينهم، خشية المنع أو المصادرة.

 

إزاء هذا المشهد، يصبح القول إن معرض القاهرة «منبر للفكر الحر» نوعًا من التجميل الفجّ. المعرض – في نسخته الحالية – منبر لفكر موجَّه يقف تحت سقف السلطة، ويتحرك وفق قاعدة واحدة: قل… ولا تقل.

 

ليس من حق الحاكم، ولا أي جهاز تابع له، أن يحتكر الفكرة أو يقدم نفسه باعتباره الحقيقة الوحيدة الممكنة. من حق القارئ المصري أن يجد في المعرض ما يوافق السلطة وما يعارضها، ما ينتقد النظام وما يدافع عنه، وما يفتح النقاش حول سعد الدين إبراهيم كما حول غيره، دون منع مسبق ودون ترويع للناشرين.

 

وإذا كان رئيس المعرض وإدارته عاجزين عن ضمان أن يكون المكان مفتوحًا لكل الأفكار التي لا تحرّض على عنف أو كراهية، فإن أقل ما يقال إن موقعهم تحوّل – عن قصد أو عن عجز – إلى ترس في ماكينة أمنية أكبر لا علاقة لها بالثقافة ولا احترام العقل.

 

عند هذه النقطة تحديدًا، يصبح السؤال الأهم ليس: ما هي مواعيد معرض القاهرة الدولي للكتاب؟ بل:

 

أيّ كتاب سيُسمح له أن يصل إليك أصلًا… وأيّ عقل تريد هذه الدولة أن تراه وأيّ عقل تخاف من مجرد ظهوره على الرف؟