تصدَّر تعليق أحمد موسى: «وزير الداخلية يعمل في صمت وشغله بيتكلم، والناس كلها حاسة بدوره لتوفير الأمن والاستقرار» واجهة ماكينة التلميع الإعلامي لوزارة الداخلية، عبر برامج «التوك شو» الموالية للسلطة، والتي تقدّم صورة وردية عن واقع أمني تعجّ تفاصيله بالشكاوى والفيديوهات الصادمة عن انتهاكات وأرواح تُزهق داخل الأقسام والسجون.
في عالم أحمد موسى وشبيهه من المذيعين، المواطن «فاهم وعارف» ويصفّق لوزير الداخلية، بينما على الضفة الأخرى من المشهد، يمسك هذا المواطن نفسه بهاتفه المحمول، يوثّق جثة خرجت من قسم شرطة، أو زنزانة مكتظة لا تتسع للبشر، أو ضابطًا يصفع سائقًا وبائعًا وطفلًا في المترو، وينشرها على فيسبوك وتويتر ويوتيوب لتفضح كل ما تمّ تجميله على الشاشات.
هذا التناقض الحاد بين رواية الإعلام الرسمي ورواية الشارع الموثقة بالفيديو، هو ما يحاول هذا التقرير رصده: منابر تلميع تحوّلت إلى أذرع دعائية، في مواجهة كاميرا مواطن باتت أقرب إلى «نيابة شعب» تلاحق الحقيقة من خلف الأسوار والأبواب المغلقة.
منابر التطبيل: إعلام يمدح وزير الداخلية ويتجاهل الضحايا
من يتابع مقاطع أحمد موسى على شاشة «صدى البلد» أو عبر منصات تناقلتها، مثل تقرير موقع «نبض» تحت عنوان: «وزير الداخلية يعمل في صمت وشغله بيكلم.. أحمد موسى يتحدث بكلمات قوية عن اللواء محمود توفيق»، يكتشف خطابًا واحدًا متكررًا: وزير «أسطوري»، أجهزة «يقظة»، و«أمن واستقرار» ينعم به المصريون بفضل قبضة الداخلية.
الخطير هنا ليس مجرد المديح، بل تحوّل الإعلامي إلى «متحدث غير رسمي» باسم وزارة الداخلية، يمسح بعباراته أي مساحة للنقد أو حتى لطرح الأسئلة حول مقتل محتجز أو تعذيب شاب أو تكدّس زنزانة. لا ضحية تُذكر بالاسم، ولا تحقيق يُفتح على الهواء، ولا أسرة ثكلى تُمنح مساحة لتروي ما جرى داخل القسم.
في المقابل، تُختزل أي انتقادات في خطاب جاهز: «شائعات إخوانية»، «حملات مُسيّسة»، أو «فيديوهات مفبركة»، بينما تُقدَّم بيانات الداخلية على أنها «الحقيقة النهائية» غير القابلة للنقاش، حتى لو كانت تنفي الواضح في فيديو صريح نشره أهل الضحية أو شهود العيان.
بهذه الطريقة يتحول الإعلام من دور «مراقبة السلطة» إلى وظيفة «تبييض سجلها»، فيُستخدم ميكروفون القناة لحماية الوزير من المساءلة، لا لحماية المواطن من بطش من يفترض أنهم «خُدّام الشعب».
كاميرا المواطن تفضح الرواية الرسمية: موت في الأقسام وتكدّس وتعذيب
بينما يردّد أحمد موسى أن «شغل الداخلية بيتكلم»، تأتي فيديوهات من داخل وخارج الأقسام لتقول شيئًا آخر تمامًا. في تقرير مصوَّر بثّتْه قناة «الشرق» على يوتيوب بعنوان: «في خلال 48 ساعة فقط!!.. 6 وفيات بالسجون وأقسام الشرطة المصرية!!»، يرصد الفيديو توالي حالات الوفاة داخل أماكن الاحتجاز، بعضها في ظروف تُتهم فيها الشرطة مباشرة بالتعذيب أو الإهمال الطبي المتعمّد:
فيديو آخر على قناة «مكملين» بعنوان: «أهلا بكم في جمهورية البلطجة.. كل يوم بيموت عشرات المصريين في أقسام الشرطة ومفيش حد بيتحاسب!» يوثّق شهادات وتقارير عن مراكز احتجاز تحوّلت إلى «مقابر للأحياء»، مع غياب تام للمحاسبة أو الشفافية:
على فيسبوك، نشر «الموقف المصري» منشورًا مفصلًا عن وفاة المحتجز طارق أشرف السيد محفوظ داخل قسم شرطة الهرم، متحدثًا عن آثار ضرب وتعذيب واضحة على جثمانه، ومطالبًا بوقف «أوكار التعذيب» كما وصفها:
أما في جريمة أخرى، فيتحدث تقرير مصوَّر عن وفاة المواطن كريم محمد عبده بدر داخل قسم شرطة الصف بمحافظة الجيزة، في زنزانة مكتظة بالمساجين ومتهمات بالإهمال الطبي، وهو ما يوثّقه فيديو على يوتيوب:
وعلى منصة X، توثّق حسابات حقوقية وإخبارية توالي هذه الحالات. من بين ذلك، تغريدة توضح مقتل مواطن مصري تحت التعذيب في قسم شرطة دار السلام جنوب القاهرة، لمجرّد رفضه العمل كمرشد أمني، وهي واحدة من عدة حالات لوفاة مواطنين داخل الأقسام خلال فترة قصيرة:
مقتل مواطن مصري تحت التعذيب في قسم شرطة دار السلام جنوب القاهرة لرفضه العمل كمرشد للأمن!
— Ahmed Hassan El Sharkawi- شرقاويات (@sharkawiahmed) August 8, 2023
هذا هو الموجز، واليكم التفاصيل لمن يريد الاستزادة:
أعلنت الشبكة المصرية لحقوق الإنسان، اليوم الاثنين، مقتل المواطن رامي حسين في قسم شرطة دار السلام بالقاهرة، نتيجة التعذيب بعد رفضه العمل… pic.twitter.com/sx2cfIIo6y
تغريدة أخرى توثّق، بالأرقام والشهادات، مقتل عدد من المواطنين في أقسام الشرطة والسجون خلال أيام قليلة، مع وصف واضح لواقع «بطش ممنهج وإفلات تام من العقاب»:
خلال 3 أيام.. الداخلية تقتل 8 مواطنين خارج إطار القانون
— جِوار - Jewar (@Jewar0) August 18, 2025
في تصاعد خطير لجرائم القتل خارج إطار القانون، تتوالى الانتهاكات بحق معتقلين ومواطنين داخل أقسام الشرطة والسجون في مصر، حيث لا قانون ولا محاسبة، بل بطش ممنهج وإفلات تام من العقاب.
خلال الأيام الأخيرة فقط سُجّلت عدة جرائم… pic.twitter.com/LpN0DjHFpE
هذه الفيديوهات والمنشورات لا تأتي من «فراغ» ولا من «غرفة عمليات» تابعة للمعارضة كما يروّج إعلام السلطة؛ بل تصدر عن أسر ضحايا وشهود عيان وقنوات ومبادرات حقوقية، تتعامل مع الموت في الأقسام كحقيقة يومية، لا كاستثناء نادر، وتضع رواية وزارة الداخلية تحت المجهر بدل أن تكتفي بترديدها.
بلطجة ومخدرات واعتداءات موثّقة: أمن يحمي من؟
بعيدًا عن الزنازين، تمتد عدسات المواطنين إلى الشارع، حيث تظهر الشرطة أحيانًا لاعبًا أساسيًا في مشهد البلطجة بدل أن تكون خصمًا لها. في فيديو شهير على يوتيوب بعنوان «مواطنة تكسر حاجز الخوف وتصور بلطجة الشرطة على الشعب بسبب "كسر مراية"»، نرى مواطنين يتعرضون لإهانات واعتداء بسبب خلاف تافه على مرآة سيارة، وسط إحساس عام بأن البدلة الميري هي التي تحمي المعتدي لا الضحية:
قناة «الشرق» بدورها نشرت على فيسبوك تقريرًا بصيغة فيديو بعنوان: «عودة البلطجة في مصر… لماذا ارتفع منسوب العنف في الشارع؟»، يربط بين تمدد ثقافة الإفلات من العقاب، وجرأة البلطجية على حمل السلاح الأبيض في وضح النهار، وأحيانًا تحت أعين قوات الأمن:
على منصة X، انتشر مقطع لاعتداء الشرطة المصرية على طلبة كويتيين عزّل في الإسكندرية، في مشهد يوثّق عنفًا مفرطًا تجاه أجانب يفترض أنهم ضيوف في بلدهم الثاني، لكنهم وجدوا أنفسهم تحت هراوات رجال الأمن:
فيديو متداول : اعتداء الشرطة المصرية على طلبة كويتيين عزّل بالاسكندرية .#طلبة_مصر #طلبة_الاسكندرية pic.twitter.com/PoiTC8FrnY
— نيوز تفتيش 🇰🇼 (@TfTieSH) January 7, 2023
هذه الأمثلة ليست سوى عيّنة من بحر واسع من الفيديوهات التي ترصد اعتداءات على باعة جائلين، وسائقين، وشباب في الأحياء الشعبية، وترويجًا علنيًا للمخدرات في بعض المناطق لا يتحرك الأمن نحوه إلا بعد أن يفضحه مقطع «مشتعل» على وسائل التواصل، كما حدث في أكثر من فيديو عن تجارة المخدرات في الجيزة والإسماعيلية وأوسيم، حيث اضطرت الداخلية لاحقًا إلى إصدار بيانات «كشف ملابسات» بعد غضب الشارع الرقمي.
وسط كل هذا، يستمر أحمد موسى وأمثاله في الحديث عن «أمن وأمان» و«ناس حاسة بدور الداخلية»، دون أن يذكروا اسمًا واحدًا لأي ضحية، أو يضعوا رابطًا واحدًا لفيديو من هذه الفيديوهات التي ملأت فيسبوك وتويتر ويوتيوب. هنا يصبح السؤال مشروعًا: أي «ناس» يتحدث باسمها هذا الإعلام؟ وأي «استقرار» يمكن أن يقوم على موت في الأقسام، وبلطجة في الشوارع، ومخدرات تنتشر في الضواحي قبل أن تتحرك الدولة مكرهة تحت ضغط الكاميرا؟
ما لم يواجه الإعلام هذه الحقائق بدل تجميل القبيح، ستظل الفجوة تتسع بين ما يُقال على الشاشات وما يراه الناس على شاشات هواتفهم، وستبقى الثقة في رواية السلطة تتآكل أمام كل فيديو جديد يخرج من خلف باب قسم شرطة أو زنزانة مكتظة أو شارع تُرفع فيه العصا بدل القانون.

