في أقل من تسعة شهور، حتى نهاية سبتمبر المقبل، تجد مصر نفسها أمام فاتورة خانقة لسداد نحو 50.8 مليار دولار من ديونها الخارجية، بينها قرابة 21 مليار دولار ودائع وعملات لدى البنك المركزي، أغلبها لدول خليجية يجري تدويرها سياسيًا قبل أن تكون أداة تمويل اقتصادي.
هذا الاستحقاق الضخم يأتي في وقت قفز فيه إجمالي الدين الخارجي إلى نحو 163.7 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2025 بحسب أحدث بيانات البنك الدولي التي نقلتها تقارير اقتصادية مستقلة، رغم وعود حكومة الانقلاب المتكررة بخفض المديونية إلى «أدنى مستوى منذ عقود».
وفي مقابل هذا النزف، تفاخر حكومة مصطفى مدبولي بأنها سددت 38.7 مليار دولار من الديون خلال عام 2024، وكأنّ السداد في حدّ ذاته إنجاز، دون أن تخبر الناس أنّ هذا السداد يتم عبر ديون جديدة وصفقات أصول استراتيجية، وأن الثمن الحقيقي يُدفع من لحم المصريين الحي في شكل تضخم، وضرائب، وبيع أصول، وخدمات عامة تتآكل يومًا بعد يوم.
أخطر ما في الصورة أن الحديث لم يعد عن رقم دين كبير فقط، بل عن جدول استحقاقات مكثّف يضغط على كل شرايين الاقتصاد: عملة صعبة نادرة، احتياطي أجنبي هش، واستثمارات أجنبية تبحث عن عائد سريع ثم تخرج عند أول هزة، في ظل نموذج اقتصادي عسكري مركزي يرفض الإصلاح الجذري، كما حذّر صندوق النقد الدولي نفسه من استمرار «هيمنة الكيانات المملوكة للدولة والجيش» وارتفاع مخاطر الضغوط السيادية على مصر.
استحقاقات خانقة وودائع خليجية تتحوّل إلى أداة ابتزاز
بحسب الجداول المتداولة لاستحقاقات الدين الخارجي، يتوزع مبلغ 50.8 مليار دولار المنتظر سداده حتى نهاية سبتمبر المقبل على نحو 28 مليار دولار في الربع الأول، و12.7 مليار دولار في الربع الثاني، و9.8 مليار دولار في الربع الثالث، بينها نحو 21 مليار دولار ودائع وعملات على البنك المركزي، أغلبها لدول الخليج.
هذه الودائع يتم تجديدها أو الضغط بها وفق الحسابات السياسية، ما يجعل قرار تجديدها أو سحبها جزءًا من ميزان النفوذ بين القاهرة وحلفائها، أكثر منه جزءًا من إدارة رشيدة للديون.
الخطير أن هذه الأرقام تتجاوز حتى ما أعلنه البنك المركزي نفسه قبل شهور، حين رفع خطته لسداد خدمة الدين الخارجي لعام 2026 إلى نحو 27.87 مليار دولار فقط (أقساط وفوائد)، ما يعكس أن جزءًا معتبرًا من الالتزامات الفعلية اليوم يتجاوز المسجل في خطط السداد الرسمية، أو أنه يُدار عبر أدوات خارج الجداول التقليدية، مثل الودائع قصيرة الأجل أو اتفاقات مبادلة العملة.
هاني جنينة، رئيس قطاع البحوث في «فاروس» والنائب السابق لمحافظ البنك المركزي، يلفت الانتباه إلى أن المشكلة لم تعد في حجم الدين وحده، بل في كلفة خدمته داخل الموازنة. فوفق أرقام وزارة المالية التي نقلها في حواره مع «الأهرام ويكلي»، التهمت مدفوعات الفوائد نحو 58% من الإنفاق العام و96.4% من الإيرادات بين يوليو ونوفمبر من العام المالي الماضي، بما يعني أن ما تدفعه الدولة لخدمة الدين يكاد يبتلع كل ما تجبيه من ضرائب ورسوم.
في ظل هذه التركيبة، يصبح سداد 50.8 مليار دولار في تسعة شهور ليس مجرد «تحدٍ مالي»، بل مقامرة سياسية على حافة التعثر: أي اهتزاز في تدفق النقد الأجنبي أو اضطراب في دعم الحلفاء سيُترجم فورًا إلى ضغط على الجنيه، أو موجة تقشف أعمق، أو بيع أصول جديدة بثمن بخس.
ديون تتضخم واقتصاد لا ينتج: خبراء يحذّرون من فخ التعثر
رغم ادعاء الحكومة أنها في «طريق نزول» بالديون، تكشف بيانات البنك الدولي والصحافة الاقتصادية أن الدين الخارجي واصل الارتفاع ليصل إلى 163.7 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2025، بزيادة 8.5 مليارات دولار في عام واحد، بالتوازي مع إعلان رئيس الوزراء عن خطط لخفض الدين للناتج المحلي إلى «أقل مستوى منذ 50 عامًا».
الأمر لا يقتصر على الصحافة المحلية. دراسة أكاديمية حديثة للباحث عبد الله سيد مصلم أحمد الشافعي وزملائه عن توقع أزمات الدين السيادي في مصر، استخدمت نموذجًا متقدمًا للإنذار المبكر، وانتهت إلى أن نسبة الدين إلى الناتج المحلي، واحتياطي النقد الأجنبي (بعدّة شهور من الواردات)، واختلال سعر الصرف هي أهم العوامل التي تدفع البلد إلى حافة «ضائقة دين»؛ بل إن النموذج نجح في تفسير ضغوط 2023 استنادًا إلى بيانات 2022، ما يعني أن الأسواق كانت ترى الخطر قادمًا قبل الخطاب الرسمي بوقت طويل.
في السياق نفسه، يحذّر الخبير الاقتصادي محمد فؤاد – الذي استطلعت رأيه «الأهرام ويكلي» – من أن تخفيض الدين لا يمكن أن يتم عبر الشعارات أو «الهندسة المحاسبية»، بل عبر أربعة مسارات محددة: زيادة الدخل، خفض الإنفاق، صفقات أصول مدروسة، أو إعفاءات جزئية من الديون.
ويضيف أن غموض حكومة مدبولي في شرح خطتها يجعل تنفيذ أي مسار إصلاحي حقيقي محفوفًا بالمخاطر، لأن المستثمرين والدائنين يتعاملون مع إشارات ملتبسة، بينما يتحمّل المواطن وحده كلفة الضرائب والتضخم ورفع الأسعار.
في المقابل، تحاول الحكومة تجميل الصورة عبر الإشارة إلى تحقيق فائض أولي قياسي بنسبة 3.6% من الناتج المحلي في موازنة 2024/2025، لكن ذلك – كما يوضح جنينة نفسه – يعني ببساطة أن الدولة تضغط أكثر على الإنفاق الاجتماعي والاستثماري لصالح خدمة الدين، لا أنها حلّت المشكلة من جذورها.
وهم خفض الدين: أرقام مدبولي في وادٍ، وحقائق السوق في وادٍ آخر
رئيس الوزراء مصطفى مدبولي أعلن مرارًا أن أولوية حكومته هي خفض نسبة الدين للناتج إلى مستويات غير مسبوقة منذ نصف قرن، وأن مصر «ملتزمة بسداد كل التزاماتها» بعد دفع 38.7 مليار دولار في 2024، مع تعهّد بأن يكون الدين المستحق في الأعوام التالية أقل مما تم سداده.
لكن ما تكشفه أرقام صندوق النقد الدولي نفسه أن مصر تتجه – إذا استمر المسار الحالي – إلى ارتفاع إجمالي الدين الخارجي من 162.7 مليار دولار في 2024/2025 إلى نحو 202 مليار دولار بحلول 2029/2030، وأن البلاد تواجه «مخاطر مرتفعة للضغوط السيادية»، ما يعني أن الخطاب الرسمي عن خفض الدين يتناقض مع منحنى التصاعد الفعلي في الالتزامات الخارجية.
الخبير الاستثماري محمد عبد الحكيم يشير، في تحليله المنشور عبر «منصة المنصة»، إلى أن جزءًا من رهان الحكومة في السنوات الأخيرة هو تعويض الاقتراض بصفقات استثمارية ضخمة لبيع أصول وأراضٍ – مثل صفقة «علم الروم» أو رأس الحكمة – واستخدام العائد لسداد التزامات قصيرة الأجل، بدل بناء هيكل إنتاج حقيقي يدرّ عملة صعبة مستدامة. ويصف هذه الصفقات بأنها «نقل ملكية لأصول استراتيجية إلى شركاء جدد» أكثر منها خطة تنمية، حتى وإن خففت مؤقتًا من الضغط على خدمة الدين.
من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي هاني جنينة أن جزءًا من التفاؤل الرسمي مبني على تحسّن نسبي في الاحتياطي الأجنبي وتراجع التضخم من ذروة 38% في سبتمبر 2023 إلى قرابة 12.3% بنهاية 2025، لكنه يقرّ بأن هذا لا يلغي حقيقة أن عبء الفوائد لا يزال يخنق الموازنة، وأن أي صدمة خارجية جديدة – في قناة السويس، أو الطاقة، أو الاستثمارات الخليجية – قد تعيد سيناريو 2022–2023 من شحّ الدولار وانهيار الجنيه.
أما على المستوى الدولي، فينضم صوت الخبيرين عبد الله الشافعي ود. دعاء أحمد (مؤلفا دراسة الإنذار المبكر) إلى أصوات مؤسسات كصندوق النقد ولجان الأمم المتحدة التي تحذّر من أن الاقتصادات الناشئة ذات الدين العام المرتفع، وارتفاع كلفة تمويله، تواجه مسارًا قابلًا للانفجار إذا لم تُغيّر نموذجها الاقتصادي، وتنتقل من اقتصاد الديون والمشروعات الاستعراضية إلى اقتصاد الإنتاج والتصدير والتشغيل.
في ظل كل ما سبق، يصبح السؤال الحقيقي ليس: هل ستنجح حكومة الانقلاب في سداد 50.8 مليار دولار حتى نهاية سبتمبر؟ فالتجربة تقول إنها ستدبّر السداد بأي ثمن. السؤال الأخطر هو: من سيدفع الفاتورة؟
حتى الآن، يبدو أن الإجابة واضحة: ليس الدائنين، ولا شبكات المصالح المستفيدة من التوسع في الاقتراض، بل المواطن المصري الذي يُطلب منه تحمّل موجات جديدة من الغلاء، وضرائب ورسوم، وبيع ما تبقى من أصول بلده، كي تستمر ماكينة الدين في الدوران دون مراجعة حقيقية للمسار كله.

