تعيش محافظة سوهاج واحدة من أسوأ فترات المنظومة الصحية؛ من المستشفيات التابعة لوزارة الصحة إلى المستشفيات الجامعية، تتكرر نفس الصورة: طوارئ مزدحمة، نقص في الأطقم، قرارات إدارية متخبطة، وحالات اعتداء داخل المستشفيات نفسها، بينما تخرج البيانات الرسمية تتحدث عن “الاستجابة لـ 2600 شكوى بنسبة 100%” وكأن الشكاوى مجرد أرقام وليست حياة بشر على أسِرّة الانتظار.

 

في مواجهة ذلك، يصوّر المواطنون الواقع على الأرض بفيديوهات ومنشورات عن إهمال، وتأخر في إسعاف الحالات الحرجة، وصعوبات في الوصول للمستشفى الجامعي الجديد، وكأن الحصول على حق العلاج في سوهاج بات “مغامرة” لا خدمة أساسية.

 

https://www.youtube.com/watch?v=kNrPdnL7Z-0

قرارات متخبطة تزيد الفوضى: المستشفى التعليمي وطوارئ الجامعة نموذجًا

 

أولى علامات الانهيار لا تبدأ من عنبر المرضى بل من مكتب القرار. فوزارة الصحة قررت في نهاية ديسمبر إلغاء تبعية مستشفى سوهاج التعليمي من الهيئة العامة للمستشفيات والمعاهد التعليمية، دون توضيح كافٍ للمرضى أو الأطباء عن الجهة الجديدة المسؤولة عن الإدارة والتمويل، ما تسبب في ارتباك واضح في سير الخدمات، ودفع نقابة أطباء سوهاج للتحرك رسميًّا اعتراضًا على القرار.

 

بالتوازي، اشتعل الجدل حول قرار نقل مستشفى الطوارئ الجامعي إلى منطقة الكوامل البعيدة عن قلب مدينة سوهاج، وهو ما وصفته النائبة ألفت المزلاوي بأنه “قرار كارثي وجريمة في حق المواطنين”، خاصة أن المستشفى القديم داخل المدينة كان يمثل خط الدفاع الأول لاستقبال الحوادث والحالات الحرجة.

 

نواب آخرون أشاروا إلى أن المستشفى الجامعي الجديد يقع في موقع بعيد نسبيًّا، ما يجعل الوصول إليه رحلة شاقة لكبار السن والمرضى القادمين من القرى، ويضاعف زمن وصول الحالات الطارئة، وهو ما يعني عمليًّا زيادة فرص فقدان المرضى قبل أن يصلوا إلى غرفة العمليات أو العناية المركزة.

 

هذه القرارات لا تراعي خريطة الفقر في المحافظة ولا أوضاع المرضى الذين يعتمدون على مواصلات معدومة أو مكلفة، ولا تحسب ثمن الكيلومترات الزائدة من عمر المريض، وكلها عوامل تجعل الحديث عن “تطوير الخدمة” مجرد شعار في مواجهة واقع مرير.

 

https://www.facebook.com/watch/?v=1686341175373694

 

طوابير وزحام واعتداءات داخل المستشفيات: المرضى والأطباء في مرمى الانهيار

 

على مستوى مستشفى سوهاج العام، كشفت زيارة مفاجئة لنائب وزير الصحة عن كثافة شديدة داخل قسم الاستقبال والطوارئ، ما اضطره للتوجيه بزيادة عدد الأطباء وتنظيم دخول المرافقين، في اعتراف عملي بأن المستشفى يعمل فوق طاقته الاستيعابية.

 

لكن الأخطر أن الفوضى لم تَعُد تقتصر على سوء التنظيم، بل وصلت إلى حد تهديد حياة الأطباء أنفسهم؛ إذ وثّقت صفحات محلية واقعة طعن طبيب جراحة داخل مستشفى سوهاج التعليمي أثناء عمله، في حادثة اعتبرها ناشطون “جرس إنذار جديد على انهيار بيئة العمل في مستشفيات المحافظة”، بعد سلسلة من وقائع الاعتداء على الأطقم الطبية.

 

https://www.instagram.com/reel/DUBTTLEk2-2/

 

في الخلفية، تتكرر مشكلات الغياب ونقص الأطقم؛ فوكيل وزارة الصحة في سوهاج اضطر العام الماضي لإحالة 60 طبيبًا و47 ممرضة و21 صيدليًّا للتحقيق بسبب التغيب وعدم الانضباط في عدة مستشفيات من بينها سوهاج العام وطهطا وأخميم، ما يعكس أزمة بنيوية في بيئة العمل وظروفه، وليس مجرد حالات فردية.

 

المحصلة على المريض واحدة: قوائم انتظار طويلة، ساعات من الجلوس على مقاعد أو في الممرات، تأجيل للعمليات، وتأخر في التعامل مع الحالات الحرجة، بينما تواصل الأهالي – خصوصًا من مراكز وقرى سوهاج – كتابة الشكاوى في مجموعات محلية على مواقع التواصل عن إهمال في المستشفى الحكومي الوحيد أو عن اضطرارهم للسفر لمحافظات أخرى بحثًا عن سرير أو عناية مركزة لذويهم.

 

أرقام “مبهرة” عن الشكاوى… وواقع لا يتغيّر على أسِرّة المرضى

 

في مواجهة هذه الصورة، تتحدث مديرية الصحة بسوهاج عن حصاد “ناجح” لعام 2025؛ إذ أعلنت رسميًّا أنها تلقت 2600 شكوى من المواطنين واستجابت لها بنسبة 100%، عبر منظومة الشكاوى الحكومية الموحدة وقنوات تواصل أخرى.

 

هذه اللغة الرقمية توحي وكأن المشكلة في “تلقي الشكوى” لا في أسباب الشكوى نفسها؛ فالسؤال الذي يطرحه المواطن البسيط: إذا كانت كل هذه الشكاوى قد “أُغلقت” رسميًّا، فلماذا لا تزال صور الزحام والتكدس ونقص الخدمة تتكرر؟ ولماذا تزداد قصص الاعتداء على الأطباء وتشرد المرضى بين المستشفى العام والجامعي؟

 

على الجانب الجامعي، تصدر بيانات تتحدث عن “ثقة المواطنين في مستشفيات سوهاج الجامعية” وعن خدمات متقدمة كتشخيص حالات نادرة بالرنين المغناطيسي في المستشفى الجامعي الجديد للطوارئ، وهي إنجازات مهمة في ذاتها، لكنها لا تنفي أن الوصول إلى هذه الخدمات أصبح أصعب وأغلى وأكثر مخاطرة للمرضى الفقراء بعد نقل الطوارئ إلى أطراف المدينة.

 

هكذا تتجاور صورتان متناقضتان: صورة رسمية تُغرق الواقع في أرقام عن “الاستجابة للشكاوى” و“تطوير المنشآت”، وصورة حية يرويها أهل سوهاج عن انهيار مستشفيات الصحة والجامعية معًا تحت ضغط العجز البشري والمالي وسوء التخطيط.

 

في النهاية، يظل السؤال مفتوحًا: متى تتحول سوهاج من “ملف شكاوى” إلى خطة إنقاذ حقيقية تعيد للمستشفى العام والجامعي دورهما الطبيعي، كمكان للعلاج الآمن الكريم، لا كاختبار قاسٍ لصبر المرضى وكرامتهم وحقهم في الحياة؟