منشور واحد على منصة إكس كان كافيًا لوضع الأصبع على الجرح، حيث طرح حساب المجلس الثوري المصري أسئلة مباشرة في تغريدة غاضبة عن حصول جهاز «مستقبل مصر» التابع للقوات الجوية على نحو 150 مليون دولار من فرق سعر استيراد القمح وحده، متسائلًا: لماذا لا تستورد هيئة السلع التموينية القمح بنفسها؟ وما علاقة القوات الجوية باستيراد طعام المصريين من قمح وزيوت؟ ولماذا لا تُزرع هذه الكميات داخل مصر بأيدي الفلاحين وتحت إشراف وزارة الزراعة؟ ثم خلص إلى نتيجة واحدة: «حكم العسكر = احتلال اقتصادي مبني على فساد».
150 مليون دولار حصل عليها جهاز مستقبل مصر التابع للقوات الجوية على مقابل استيراد القمح!
— المجلس الثوري المصري (@ERC_egy) February 1, 2026
لماذا لاتستورد هيئة السلع التموينية القمح بنفسها؟ ما علاقة القوات الجوية باستيراد طعام المصريين سواء القمح او زيوت الطعام؟ ما هى سلطة جهاز #مستقبل_وطن للتصرف بهذا الشكل ؟! ولماذا لاتزرع مصر… pic.twitter.com/H5ehfjpv3D
هذه الأسئلة لم تعد شعارات سياسية، بل تحولت إلى أرقام رسمية موثقة في أول طلب إحاطة برلماني يفتح ملف «جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة»، بوصفه ذراعًا عسكرية تحتكر استيراد القمح وزيوت الطعام، وتُحمِّل الموازنة أعباء بمليارات الجنيهات سنويًا، بينما يُدفع المواطن ثمنها من رغيف الخبز المدعم ومن جيبه في السوق الحر.
150 مليون دولار في القمح و117 مليونًا في الزيت… فاتورة فساد تُدفع من قوت الفقراء
النائب أحمد فرغلي، عضو مجلس النواب عن بورسعيد، قدّم طلب إحاطة لوزير الزراعة كشف فيه بالأرقام ما لمّحت إليه التغريدة.
وفقًا للبيانات التي أوردها، يستورد جهاز «مستقبل مصر» طن القمح بـ 270 دولارًا في حين يبلغ السعر العالمي 240 دولارًا فقط، أي فرق 30 دولارًا في الطن.
ومع استيراد الحكومة نحو 5 ملايين طن قمح سنويًا، يصل إجمالي فرق السعر إلى حوالي 150 مليون دولار كل سنة في القمح وحده، في بلد يتجاوز فيه سعر الدولار رسميًا 46.95 جنيهًا.
السيناريو نفسه يتكرر في زيوت الطعام؛ إذ يبلغ متوسط السعر العالمي للطن 1100 دولار، بينما يتم استيراده عبر الجهاز العسكري نفسه بنحو 1250 دولارًا، أي بزيادة 150 دولارًا في الطن.
ومع استيراد ما يقرب من 780 ألف طن سنويًا، يصبح فرق السعر في الزيوت وحدها حوالي 117 مليون دولار سنويًا.
وعند تحويل المبلغين (150 مليون دولار و117 مليون دولار) إلى الجنيه، تصل الخسارة التقديرية إلى نحو 7.035 مليار جنيه في القمح، وقرابة 5.487 مليار جنيه في الزيوت، بإجمالي يقارب 12.522 مليار جنيه سنويًا لسلعتين فقط.
هذه الفوارق لم تمرّ بلا أثر مباشر على الدعم.
فرغلي أوضح أن هذا النزيف قلّل فعليًا من قيمة دعم السلع التموينية المخصص لأكثر من 61.5 مليون مواطن في موازنة 2025/2026؛ فبدلًا من 160 مليار جنيه مخصصة ظاهريًا للدعم، أصبح ما يصل فعليًا للناس لا يتجاوز حوالي 139 مليار جنيه، أي انخفاض يزيد على 13 بالمئة، بينما تُستكمل الصورة بإجراءات موازية: خفض وزن رغيف الخبز المدعم من 135 جرامًا إلى 110 جرامات، ورفع سعره إلى 0.20 جنيه، وحذف نحو 10 ملايين مواطن من منظومة السلع التموينية.
من هيئة السلع إلى «مستقبل مصر»: إقصاء الشفافية لصالح الأمر المباشر
قبل هذه التحولات، كانت هيئة السلع التموينية هي الجهة المسؤولة عن استيراد القمح والزيت عبر مناقصات علنية تُعلن من خلال وكالات أنباء عالمية، وتحضرها كبريات الدول المصدرة، وغالبًا ما كانت مصر –بوصفها أكبر مستورد للقمح عالميًا– تحصل على أسعار أقل من السعر العالمي نتيجة قوة مركزها التفاوضي.
بعد انقلاب يوليو 2013 بدأ المسار يتغيّر؛ إذ أُبعدت الهيئة تدريجيًا لصالح هيئة الإمداد والتموين التابعة للقوات المسلحة، ثم أسند الملف مؤخرًا إلى «جهاز مستقبل مصر» الذي تأسس بقرار رئاسي رقم 591 لسنة 2022 في مايو 2022 تابعًا للقوات الجوية، من دون شفافية كافية حول تفاصيل القرار أو أعمال الجهاز.
الدكتور عبدالتواب بركات، مستشار وزير التموين الأسبق، يربط بين حذف ملايين المصريين من منظومة الدعم وبين تنامي الفساد في ملف الاستيراد بالأمر المباشر، بعيدًا عن المناقصات العامة.
بركات يؤكد أن الجهات العسكرية تشتري القمح والزيت في «غرفة مغلقة»، بعقود محصنة بقوانين تمنع الطعن عليها، وأن فاتورة الفساد في مكتب وزير التموين والهيئات التي ترأسها لواءات –من خلال الشراء بالأمر المباشر والتربح من مخصصات التموين– كانت أكبر بكثير من كلفة خفض وزن الرغيف من 135 إلى 110 جرامات، ورفع سعره إلى 0.20 جنيه، ومن قيمة الدعم الذي حُرم منه 10 ملايين مواطن حُذفوا من بطاقات التموين.
على مستوى الأسعار العالمية، تظهر الأرقام أن الفارق ليس مجرد هامش بسيط. أسعار القمح الروسي تراجعت في سبتمبر الماضي إلى نحو 230 دولارًا للطن، بعد أن كانت حوالي 254 دولارًا في أبريل، فيما بلغ متوسط أسعار عام 2024 قرابة 256.3 دولارًا للطن.
أما القمح الأوكراني والروماني فسجل حوالي 241.2 و252.9 دولارًا للطن على التوالي.
في المقابل، يتعاقد «مستقبل مصر» على القمح للحكومة بسعر يزيد 30–40 دولارًا للطن عن هذه المستويات.
رئيس شركة «يورو كوموديتز» لاستيراد الحبوب، خالد عبدالمعطي، قدّر التكلفة العادلة للقمح الروسي حتى وصوله مصر عند حوالي 229 دولارًا للطن، لكنه أشار إلى أن مصر تستورد فعليًا بزيادة تتراوح بين 50 و70 دولارًا للطن بسبب الاعتماد على شركات وسيطة بدلًا من الشراء المباشر من المصدر.
مع واردات حكومية وخاصة بلغت حوالي 13.2 مليون طن قمح في 2024، منها نحو 7.1 مليون طن من روسيا وحدها، يصبح ما أشار إليه الباحث مؤمن أشرف –عن فرق لا يقل عن 12 مليار جنيه سنويًا، غير «العمولات والفساد الداخلي»– رقمًا مفهومًا تمامًا، لا مجرد مبالغة معارضة.
«نجم السيسي الجديد»: إمبراطورية تتمدّد من القمح إلى نصف المساحة المزروعة ومدن بتريليون ونصف جنيه
خطر جهاز «مستقبل مصر» لا يتوقف عند ملف القمح والزيت، بل يمتد –كما يوضح الباحث يزيد صايغ في تقرير لـ «مركز مالكوم كير – كارنيغي»– إلى تحوّله إلى «نجم السيسي الجديد»، وذراع اقتصادية تتوغّل في كل شيء تقريبًا.
الجهاز الذي بدأ بمشروع استصلاح نحو 200 ألف فدان عام 2021، أُسندت إليه زراعة 2.2 مليون فدان في مشروع الدلتا الجديدة ومشروعات أخرى في المنيا وبني سويف والفيوم وأسوان وواحة الداخلة والعوينات، بهدف الوصول إلى 4.5 مليون فدان بحلول 2027، حتى أصبحت «نصف مساحة مصر المزروعة تحت قيادته وإشرافه» بحسب هيئة الاستعلامات الحكومية.
رئيس الجهاز العقيد بهاء غنام أعلن أن «مستقبل مصر» ساهم خلال 6 سنوات عمل بنحو 4.3 مليار دولار من صادرات المحاصيل الزراعية، مع استهداف إحلال واردات بقيمة 3.7 مليار دولار سنويًا، و2 مليار دولار صادرات إضافية عام 2029، وتوفير 40 ألف فرصة عمل مباشرة، وقرابة 2 مليون فرصة غير مباشرة.
لكن غياب الشفافية –كما يشير صايغ– يمنع أي تقييم مستقل لهذه الأرقام، أو لمعرفة إن كانت هذه المشروعات تحقق منفعة حقيقية أم تتحول إلى عبء مالي وبيئي على المدى الطويل.
في المقابل، تتضخم امتيازات الجهاز وأصوله؛ ففي يناير 2026 نُقلت ولاية 46 قطعة أرض في 7 محافظات (البحر الأحمر، مطروح، الوادي الجديد، أسيوط، بني سويف، الغربية، البحيرة) لصالحه، بعد أن سبق لمجلس الوزراء في يوليو 2025 نزع ملكية 70 فدانًا من «معهد البحوث الزراعية» و14.39 فدانًا من وزارة الري، لصالحه أيضًا، رغم أن المعهد يضم 16 مركزًا بحثيًا، و10 معامل متخصصة، و23 إدارة تجارب، و19 محطة بحوث بالمحافظات.
في أغسطس 2025 استحوذ الجهاز على 89.66 بالمئة من أسهم «الشركة العربية لاستصلاح الأراضي» مقابل 23.3 مليون جنيه فقط، بسعر 5 جنيهات للسهم وفق قيمته الدفترية، بينما كانت القيمة السوقية للسهم تقارب 122 جنيهًا.
إلى جانب ذلك، يدير الجهاز أكبر محطة لمعالجة مياه الصرف الزراعي في «الدلتا الجديدة» بطاقة 7.5 مليون متر مكعب يوميًا، وينفّذ فرعًا صناعيًا جديدًا للنيل عبر أنابيب بطول يقارب 500 كيلومتر، ويبني ثلاجات بطاطس بسعة 80 ألف طن، وصوامع غلال بسعة 20 ألف طن، وأنفاق تجميد ومصانع سناكس وبصل وثوم مجفف وزيوت وسكر وأعلاف.
وفي العقار، أُعلن عن مدينة «جريان» على فرع صناعي من النيل بتكلفة تصل إلى 1.5 تريليون جنيه عبر ذراع عقارية باسم «نيشنز أوف سكاي».
كل ذلك يجري بينما لا تزال مصر تستورد نحو 20.3 مليون طن قمح سنويًا، تمثل 2.6 بالمئة من الاستهلاك العالمي، مع إنتاج محلي لا يتجاوز 4 ملايين طن من مساحة مزروعة قدرها 3.5 مليون فدان، لسكان في الداخل يقترب عددهم من 108 ملايين.
وفي الوقت الذي تُنتزع فيه مهمة الاستيراد من هيئة مدنية إلى جهاز عسكري غامض، ويُعاد رسم خريطة الأراضي والثروة الزراعية لصالح كيان واحد، يصبح جوهر التغريدة واضحًا: لسنا أمام «مشروع تنموي» بل أمام احتلال اقتصادي مكتمل الأركان، تُموَّل أرباحه من رغيف الخبز ولقمة الفقير، ومن دين عام متضخم، ومن دولة تُدار كأنها مزرعة مغلقة لصالح نخبة عسكرية ضيقة.

