سجلت أسعار السكر في مصر قفزة جديدة بنحو 2,000 جنيه للطن دفعة واحدة، ليتراوح سعر الطن للمستهلك النهائي بين 26 و28 ألف جنيه، بعد أن كان يتداول حول 23–25 ألف جنيه فقط، مباشرة عقب سماح الحكومة بتصدير الفائض لأول مرة منذ نحو 3 سنوات، رغم وجود فائض محلي يناهز 1 مليون طن واستمرار موسم توريد قصب السكر للمصانع. قرار بدا – عمليًا – كأنه أُخذ لإنقاذ المصنعين على حساب جيب المواطن.
تصدير «الفائض».. قرار حكومي يشعل السوق فورًا
خلال يناير الماضي، سمحت الحكومة بإعادة تصدير السكر، بعد سنوات من حظر التصدير منذ 2023، وهو قرار قالت عنه وكالة بلومبرغ إنه يهدف إلى امتصاص فائض محلي يقترب من 1 مليون طن تسبب في تراجع الأسعار وتكبّد المصنعين خسائر. هذا السماح بالتصدير يأتي رغم أن قرار وزير الاستثمار والتجارة الخارجية حسن الخطيب في أكتوبر الماضي مدَّد حظر تصدير السكر 6 أشهر أخرى حتى مارس المقبل، مع استثناء واحد: الكميات التي تعتبرها وزارة التموين «فائضًا» عن حاجة السوق، وبموافقة وزارة الاستثمار.
عمليًا، هذا الاستثناء هو الذي فُتِح على مصراعيه الآن. أحمد طبلاوي، رئيس إحدى شركات تعبئة السكر، أوضح أن أسعار السكر ارتفعت بنحو 2,000 جنيه للطن فور الإعلان عن السماح بالتصدير؛ فانتقل سعر طن السكر من 23 ألفًا إلى 25 ألف جنيه للمصانع، لترتفع الأسعار النهائية للمستهلك إلى ما بين 26 و28 ألف جنيه. ويؤكد أن القرار جاء في توقيت «كارثي»، مع اقتراب شهر رمضان الذي يشهد ذروة استهلاك السكر سنويًا.
يحيى كاسب، عضو شعبة المواد الغذائية ورئيس إحدى شركات تعبئة السكر، أشار كذلك إلى حالة ارتباك واسعة في تسعير السكر بعد القرار، مع زيادة في الطلب وتوقع موجة جديدة من ارتفاعات الأسعار، رغم أن المنطق كان يفترض العكس في ظل وجود فائض إنتاج ومخزون كبير لدى الشركات.
سوق مرتبكة قبل رمضان.. فائض على الورق وغلاء في الواقع
وزارة التموين تستهدف، هذا الموسم، استلام نحو 6 ملايين طن من قصب السكر من المزارعين لصالح المصانع الحكومية، في وقت يقول فيه مدير مبيعات بإحدى شركات السكر التابعة للحكومة إن شركته وحدها تمتلك مخزونًا يقترب من 200,000 طن، تستهدف تصدير نحو 35,000 طن منها فقط، أي ما يعادل 17.5% من مخزونها.
المسؤول يؤكد أن السوق المحلية فيها بالفعل فائض يقترب من 1 مليون طن، وأن موسم إنتاج سكر البنجر يبدأ بنهاية الشهر الجاري ويستمر في مارس، ما يعني أن المعروض في ازدياد، لا تناقص. ومع ذلك، قفزت الأسعار فور فتح باب التصدير، ما يكشف – برأي كثيرين – خللًا في طريقة إدارة ملف «الفائض»، إذ تحوّل الفائض إلى فرصة لتعظيم أرباح المنتجين عبر السوق العالمية، بينما تُترك السوق الداخلية تحت رحمة المضاربات وغياب الرقابة الفعلية.
الدكتور علاء عز، المستشار الاقتصادي لاتحاد الغرف التجارية، كان قد أكد في تصريحات سابقة أن فكرة تصدير الفائض من السكر يمكن أن تكون منطقية لدعم الصناعة وتوفير عملة صعبة، بشرط «ضمان استقرار الأسعار المحلية وتوافر مخزون آمن يغطي عدة أشهر من الاستهلاك». لكنه حذّر من أن أي خطوة غير محسوبة في توقيت حساس – مثل ما قبل رمضان – قد تتحول إلى صدمة سعرية مباشرة للمستهلك، خاصة في ظل موجات الغلاء المتتالية التي تضرب سلع الغذاء الأساسية.
ورغم أن الحكومة تتحدث عن فائض و«حظر تصدير مع استثناءات»، فإن ما يراه المواطن على الأرفف هو ارتفاعات متتالية منذ 2024، حتى بات كيلو السكر – وفق هذه الأسعار – عبئًا يوميًا على ميزانية الأسر، في بلد يستهلك حوالي 3.2 مليون طن سكر سنويًا، وتعاني طبقاته الوسطى والفقيرة أصلًا من تضخم قياسي في أسعار الغذاء.
خبراء السكر: المستهلك يدفع ثمن إنقاذ المصنعين وسوء الإدارة
حسن الفندي، رئيس شعبة السكر بغرفة الصناعات الغذائية باتحاد الصناعات المصرية، يرى أن تصدير جزء من الفائض قد يكون مقبولًا من ناحية الصناعة، لكنه يشدد على أن السكر «سلعة إستراتيجية لا تقل عن القمح»، وبالتالي فإن أي قرار بالتصدير يجب أن يسبقه ضبط صارم للسوق المحلية، وتحديد كميات التصدير بدقة، مع منع أي ممارسة احتكارية أو تخزين مفتعل يرفع الأسعار على المستهلك النهائي. ويذكّر بأن تجارب سابقة في تصدير سلع غذائية أساسية انتهت دومًا بأن «المستهلك هو من دفع الفاتورة» في صورة موجات غلاء متتالية.
من جانبه، يؤكد المهندس صلاح فتحي، رئيس شركة السكر والصناعات التكاملية (أكبر منتج حكومي للسكر)، أن شركته تنفّذ خطة استثمارات ضخمة تصل إلى 26 مليار جنيه لتحديث المصانع ورفع الطاقة الإنتاجية، بهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي من السكر وزيادة القدرة على التصدير في الأعوام المقبلة، مستهدفة إيرادات تصل إلى 50 مليار جنيه في 2027.
لكن منتقدين يشيرون إلى مفارقة لافتة: بينما تضخ الدولة استثمارات بمليارات الجنيهات في المصانع، تُترك السوق بلا آلية شفافة لضبط العلاقة بين المنتج والمستهلك؛ فيُستخدم بند «تصدير الفائض» عمليًا كأداة لرفع الأسعار داخليًا بدلًا من أن يكون جزءًا من إستراتيجية متوازنة تحقق عائدًا للصناعة وتحافظ في الوقت نفسه على حق المواطن في سلعة أساسية بسعر مقبول.
خبير أسواق السلع الغذائية هيثم عبدالباسط – وهو أيضًا نائب رئيس شعبة المواد الغذائية سابقًا – يربط بين ما يحدث في سوق السكر وبين نمط أوسع في إدارة السلع الإستراتيجية: «بدلًا من بناء سياسة واضحة للتخزين الإستراتيجي والتسعير العادل، يتم اللجوء في كل مرة إلى حلول قصيرة المدى تخدم طرفًا واحدًا، ثم يُطلَب من المواطن أن يتحمل النتيجة». ويشير إلى أن السماح بالتصدير في لحظة فائض، دون سقف واضح أو شفافية في الأرقام، يفتح الباب للمضاربة ورفع الأسعار، خاصة في ظل ضعف الرقابة وغياب البيانات العلنية عن حجم المخزونات في كل شركة.
في النهاية، ما جرى يكشف تناقضًا صارخًا: دولة تعلن عن فائض يقترب من 1 مليون طن، ومخزونات بمئات الآلاف من الأطنان، وموسم توريد مستمر لقصب السكر، ثم تسمح بتصدير هذا «الفائض»، فيقفز السعر فورًا إلى 26–28 ألف جنيه للطن، بينما يبقى المواطن وحيدًا في مواجهة رفٍ فارغ أو سعر منفلت، بلا حماية حقيقية ولا سياسة واضحة تضع أمنه الغذائي قبل أرباح كبار المنتجين.

