تتجه الأنظار إلى إسطنبول مع تسريبات عن ترتيبات لمحادثات تخص إيران، بعدما نقلت رويترز عن مسؤول إقليمي أن دولًا عربية وإسلامية بينها مصر تلقت دعوات للمشاركة، بينما يظل “إطار المحادثات” غير واضح حتى الآن، مع أولوية معلنة لخفض التوتر وتجنب انزلاق المنطقة إلى صراع مفتوح.
اللافت في هذه الصيغة أنها تجمع بين هدفين قد يبدوان متناقضين: توسيع المشاركة الإقليمية من جهة، والإبقاء على خطوط تفاوض مرنة وغير مُلزمة من جهة أخرى.
وبينهما سؤال جوهري: هل نحن أمام منصة حقيقية لإدارة أزمة ممتدة، أم لقاء “إطفاء حرائق” يُؤجِّل الانفجار ولا يمنعه؟
من المدعوون وما طبيعة الاجتماع المتوقعة؟
بحسب ما نقلته رويترز، يُنتظر أن تتصدر المحادثات لقاءات بين الولايات المتحدة وإيران على مستوى رفيع، مع توجيه دعوات لعدد من القوى الإقليمية للمشاركة على مستوى وزراء الخارجية، ومن بين الدول التي ورد ذكرها: السعودية، قطر، عُمان، الإمارات العربية المتحدة، وباكستان.
وتشير الوكالة أيضًا إلى أن “الجلسة الرئيسية” يُرتقب عقدها يوم الجمعة، لكن دون تحديد نهائي لشكل الطاولة: هل ستكون جلسة واحدة موسعة؟ أم اجتماعات متوازية/ثنائية على الهامش؟ هذا الغموض بحد ذاته يحمل دلالة سياسية: الأطراف تريد بدء حوار سريع لتثبيت مبدأ “التهدئة أولًا”، قبل الدخول في تفاصيل قد تفجّر الخلافات مبكرًا.
في السياق ذاته، تحدثت رويترز عن مشاركة ستيف ويتكوف كمبعوث أمريكي، وعباس عراقجي كوزير خارجية إيران، بما يعكس أن القناة المباشرة بين واشنطن وطهران—مهما كانت صعبة—لا تزال هي محور أي ترتيبات، حتى لو أُضيفت لها طبقة إقليمية داعمة.
لماذا “التهدئة” هي العنوان… وما الذي يدفعها الآن؟
تصف رويترز أولوية المحادثات بأنها منع الصراع وخفض التوترات القائمة، وهو توصيف ينسجم مع مناخ إقليمي حساس: أي تصعيد مباشر سيضع دول الجوار أمام كلفة أمنية واقتصادية فورية (الطاقة، الملاحة، الاستثمارات، وحركة السفر).
ومن زاوية المصالح، فإن إشراك أطراف خليجية وعربية وإسلامية يهدف وفق قراءة واقعية إلى بناء “حزام وساطة” قادر على:
- تهدئة الرسائل المتبادلة
- توفير ضمانات سياسية أولية
- تخفيف احتمالات سوء التقدير العسكري.
كما يُظهر مسار الأخبار المتقاربة أن بعض العواصم الإقليمية أصبحت تتبنى خطاب “حل دبلوماسي طويل الأمد” بدل إدارة الأزمة بالمواجهات.
فعلى سبيل المثال، نقلت رويترز دعوة الإمارات العربية المتحدة إلى اتفاق نووي/دبلوماسي يخفف التوتر ويمنع تكرار دورات الصدام، في ظل مخاوف من توسيع المواجهة.
وفي خلفية هذا المشهد، تبرز حساسية الداخل الإيراني وتوتره، وتلويحات متبادلة في الخطاب الأمريكي—من بينها إشارات نسبتْها رويترز إلى دونالد ترامب حول عواقب الفشل في التوصل إلى تفاهم.
نقاط القوة والضعف: ما فرص النجاح وما ألغام الطريق؟
نقطة القوة الأولى هي أن “تعدد الأطراف” قد يمنح المحادثات شبكة أمان: حضور دول لها قنوات مع واشنطن وطهران يرفع احتمالات تسويق حلول وسط، أو على الأقل تثبيت قواعد اشتباك تمنع الانفلات.
لكن نقطة الضعف الأكبر هي غموض الإطار: عندما لا يكون هناك جدول أعمال محدد أو رزمة تفاوض واضحة، يصبح النجاح محصورًا في إجراءات بناء الثقة لا أكثر—وهي مهمة مهمة، لكنها قد لا تكفي إذا كانت الخلافات الجوهرية عميقة.
توضح رويترز أن إيران تقول إنها مستعدة لمحادثات “عادلة” لكنها لا تقبل بحث قدراتها الدفاعية/الصاروخية، ما يضع سقفًا مبكرًا لأي صفقة شاملة، ويُرجّح سيناريو “حلول خطوة بخطوة” بدل الاتفاق الكبير.
وتقاطع ذلك مع طرح تركي سابق نقلته رويترز عن هاكان فيدان يدعو إلى معالجة الملفات “واحدًا واحدًا”، بما يقلل الإحراج السياسي ويفتح هامش مناورة تدريجي.
أما “ألغام الطريق” فتتمثل في ثلاثة ملفات:
- شروط واشنطن التي تتجاوز النووي إلى ملفات إقليمية/صاروخية (بحسب ما تداوله تقرير رويترز)، وهو ما تعتبره طهران خطوطًا حمراء.
- التمويل/العقوبات: أي تهدئة بلا مسار اقتصادي ملموس قد لا تصمد سياسيًا داخل إيران وخارجها.
- عامل الوقت: كلما طال الغموض حول شكل الاجتماعات ومخرجاتها، ارتفع احتمال أن تتحول إلى مناسبة إعلامية بدل منصة قرار.
وأخيرا فان محادثات إسطنبول وفق ما نقلته رويترز تُصمَّم على ما يبدو كـ“مسار تهدئة سريع” قبل أن تكون مفاوضات نهائية: دول إقليمية مدعوة، إطار غير محسوم، وأولوية واضحة لمنع الانزلاق إلى صراع.
نجاحها سيُقاس بقدرتها على إنتاج خطوات عملية: قناة اتصال مستقرة، تقليل لغة التهديد، وربما تفاهمات جزئية تُمهّد لمسار أطول حول الملفات الأصعب.
أما إن بقيت بلا جدول وبلا مخرجات، فستظل مجرد محطة لشراء الوقت في أزمة أثبتت أنها تعود كلما غابت التسويات.

