أظهرت تعيينات النيابة الإدارية الأخيرة أن ما يقارب نصف المقبولين من أبناء القضاة والشرطة والجيش، في مشهد أعاد إلى الواجهة سؤال تكافؤ الفرص داخل واحدة من أهم الهيئات الرقابية في مصر. القرار الذي أصدره عبد الفتاح السيسي في 27 يناير 2026 بتعيين 379 عضوًا جديدًا من خريجي دفعتي 2019 و2020، مع قبول بعض تظلمات دفعات أقدم، لم يُقرأ كخطوة عادية لاستكمال الهياكل، بل كحلقة جديدة في مسلسل التوريث الوظيفي داخل القضاء، بعدما تبيّن أن نحو 55% من التعيينات ترتبط مباشرة بالعائلات القضائية والأمنية والعسكرية، في حين ظل أوائل الخريجين وأصحاب الأحكام القضائية النهائية خارج الصورة.

 

هذا المشهد لا يقف عند حدود الأرقام، بل يفتح بابًا أوسع للحديث عن عسكرة مؤسسات العدالة، وإعادة هندستها اجتماعيًا لصالح طبقة مغلقة من أبناء النخبة، على حساب مبدأ الكفاءة وتكافؤ الفرص، في بلد يزعم دستوره أن الوظائف العامة حق للمواطنين على أساس الجدارة وحدها.

 

تعيينات النيابة الإدارية الأخيرة: أرقام تفضح نمط التوريث

 

في القرار الصادر في 27 يناير 2026، تم تعيين 379 عضوًا جديدًا بالنيابة الإدارية من خريجي دفعات 2019 و2020، مع ضم بعض أصحاب التظلمات من دفعات 2017 و2018. ظاهريًا، يبدو القرار إجراءً إداريًا عاديًا لاستكمال العجز في الجهاز الرقابي، لكنه سرعان ما تحوّل إلى كرة نار سياسية وإعلامية بعد تسريب كشوف التعيينات وتحليل خلفيات المقبولين.

 

التحليلات التي تداولها حقوقيون وإعلاميون تشير إلى أن نحو 40% من الأسماء تنتمي لعائلات قضائية خالصة، وأن حوالي 15% من أبناء القيادات الأمنية والعسكرية، ما يعني أن ما لا يقل عن 55% من التعيينات مرتبطة مباشرة بأسر القضاة والشرطة والجيش. هذه النسب لم تُقدَّم باعتبارها استثناءً، بل تأكيدًا لاستمرارية نمط متكرر في تعيينات النيابة الإدارية ومجلس الدولة خلال السنوات الأخيرة، حيث تحوّل الوصول إلى المنصة القضائية من مسار مفتوح أمام المتفوقين إلى امتياز موروث داخل عائلات بعينها.

 

تسريبات كشوف دفعة 2022 – التي قيل إنها شملت نحو 790 اسمًا – دعمت هذا الانطباع؛ إذ بينت أن "ثقافة التوريث" لم تعد مجرد انطباع شعبي أو اتهام سياسي، بل واقع يمكن رصده بالأسماء والقرابات الوظيفية. كثير من خريجي كليات الحقوق يرون اليوم أن الباب إلى القضاء والنيابة الإدارية مغلق تقريبًا أمام من لا يملك لقب "ابن مستشار" أو "ابن لواء"، بينما تتحول المؤسسات التي يُفترض أنها تحمي القانون إلى نموذج صارخ لخرق مبدأ المساواة أمام الوظيفة العامة.

 

استبعاد الأجدر: حكايات أوائل الدفعات وأحكام لا تُنفّذ

 

منصة "متصدقش" @matsda2sh قدّمت نموذجًا كاشفًا لحالة الاستبعاد المنهجي للأجدر، من خلال ملف تعيين أوائل خريجي كليات الحقوق بالنيابة الإدارية. فبينما تتكدّس دفعات جديدة من أبناء النخبة على مقاعد النيابة، يبقى أوائل دفعات 2012 و2013 و2014 – ومن بينهم حالات افتراضية مثل "مروة" و"علي إبراهيم" – خارج قرارات التعيين، رغم حصولهم على أحكام قضائية نهائية تُلزم الدولة بتعيينهم.

 

الرابط الذي نشرته المنصة يلخّص جانبًا من هذه المأساة الممتدة، حيث صُوِّرَت حكايات الأوائل الذين انتصروا قضائيًا وخسروا عمليًا أمام جدار صلب من التعنت الإداري والأمني:

 

 

في خلفية هذه القصص يتضح أن التعيين في النيابة الإدارية أصبح مسارًا شديد التعقيد منذ مطلع الألفية؛ إذ تباطأت التعيينات مقارنة بالتسعينيات، ثم أُضيفت شروط جديدة مثل اجتياز برامج في "الأكاديمية الوطنية للتدريب" ولاحقًا "الأكاديمية العسكرية"، لتصبح هذه المؤسسات بوابة فرز سياسية وأمنية واجتماعية غير معلنة.

 

مروة وعلي – كنموذجين – واجها استبعادًا متكررًا رغم صدور أحكام نهائية لصالحهما في 2021 و2022، بحجة "التحريات الأمنية" التي أشارت إلى أن مستواهما المادي والاجتماعي "متوسط"، وهو سبب رفضته المحكمة صراحة باعتباره غير قانوني، ومخالفًا لمبدأ تكافؤ الفرص، مؤكدة أن الوظائف العامة لا يجوز أن تُحجز لطبقة بعينها.

 

ومع أن الأحكام أصبحت باتة في 2023، ظل التنفيذ معلّقًا؛ إذ أحيل الملف إلى وزارة العدل التي تذرعت بعدم توافر الدرجات المالية، أو اشترطت إخضاعهم لدورات مكلفة في الأكاديمية العسكرية، ما اعتبره الخريجون شكلًا من أشكال العقاب والتطفيش. النتيجة كانت ضياع سنوات من العمر والفرص؛ زملاء الدفعة أصبحوا رؤساء نيابة، بينما ينتظر أصحاب الأحكام تعيينهم كوكلاء، رغم أن بعضهم أنهى الماجستير أو الدكتوراه، وفقدت مروة فرصة منحة دراسية بسبب طول النزاع، في حين انسحب علي تدريجيًا من أي مشاركة في الشأن العام.

 

عسكرة القضاء وتآكل الثقة في المؤسسات المدنية

 

قراءات كثيرة للتعيينات الأخيرة تربط بين هيمنة أبناء القضاة والأمن والجيش على النيابة الإدارية وبين مسار أوسع لعسكرة الدولة وإعادة هندسة مؤسساتها وفق منطق ولاء واحد. النيابة الإدارية، التي يُفترض أن تكون جهازًا رقابيًا مستقلاً يراقب أداء الإدارات والجهات الحكومية، باتت – وفق هذه القراءات – خاضعة للشبكة نفسها من الولاءات التي تتحكم في القضاء العادي والنيابة العامة.

 

أحد أخطر الدلالات هنا هو غياب تكافؤ الفرص بشكل شبه معلن؛ استبعاد أوائل الخريجين وأصحاب الأحكام القضائية لصالح أبناء النخبة الأمنية والقضائية لا يعني فقط ظلم أفراد بعينهم، بل يكرس رسالة اجتماعية خطيرة: أن صعود السلم الوظيفي في مؤسسات العدالة في مصر لا يُبنى على الجدارة، بل على النسب والولاء والطبقة.

 

كما أن إقحام الأكاديمية العسكرية في مسار التعيين والتقييم لمناصب قضائية ورقابية يطرح سؤالاً جوهريًا حول استقلالية هذه المؤسسات؛ فحين يصبح الطريق إلى منصة القضاء أو هيئة رقابية مثل النيابة الإدارية مشروطًا برضا الأجهزة الأمنية والعسكرية، فإن المضمون الحقيقي لاستقلال القضاء يصبح في مهب الريح.

 

هذه الممارسات، في النهاية، لا تُضعف فقط ثقة خريجي الحقوق والشباب في عدالة المنافسة، بل تزعزع ثقة المجتمع كله في مؤسسات يفترض أن تكون ملاذًا للإنصاف. حين يرى المواطن أن باب النيابة والقضاء مغلق عمليًا أمام أبناء الطبقات المتوسطة والفقيرة، ومفتوح على مصراعيه لأبناء العائلات النافذة، يصبح الحديث عن "دولة القانون" أقرب إلى الشعار منه إلى الواقع.

 

هكذا، لا تبدو أزمة تعيينات النيابة الإدارية الأخيرة حادثة عابرة، بل حلقة جديدة في سلسلة متصلة من التوريث الوظيفي وعسكرة مؤسسات العدالة، تُعيد إنتاج نفس النخبة داخل أجهزة من المفترض أن تحاسبها وتراقبها، وتترك سؤال العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص مفتوحًا بلا إجابة حقيقية.