محمد جمال عرفة
كاتب صحافي مصري
تُقدم الولايات المتحدة مساعدات عسكرية كبيرة لإسرائيل، تُقدر بـ3.8 مليارات دولار سنويًا، وبموجب آخر مذكرة تفاهم مدتها 10 سنوات، جرى توقيعها وتنتهي عام 2028، تحصل تل أبيب على 38 مليار دولار مساعدات خلال هذه الفترة. وقد أضيف لها تمويل إضافي لمعدات عسكرية دفاعية وصاروخية بمليارات الدولارات، بعد حرب غزة، ليصل إجمالي المساعدات العسكرية إلى أكثر من 21.7 مليار دولار منذ 7 أكتوبر 2023، أي خلال عامين فقط تقريبًا، وفق مشروع "تكاليف الحرب" بجامعة براون الأميركية.
وترسل الولايات المتحدة إمدادات عسكرية بقيمة مليارات الدولارات سنويًا إلى إسرائيل، معظمها على شكل "مساعدات" وليس مبيعات، وآخرها صفقات عسكرية أعلن عنها يوم 30 يناير/كانون الثاني تتضمن طائرات أباتشي، ومركبات تكتيكية، ومعدات بقيمة تتجاوز 6.5 مليارات دولار، بموجب ثلاثة عقود منفصلة. وبرغم هذا الحجم الضخم للمساعدات، واعتراف صحف الاحتلال خلال حرب غزة أنه "بدون الدعم الأميركي لكانت إسرائيل انهارت"، تحدث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عدة مرات عن قرب الاستغناء عن هذه المساعدات.
تصريحات نتنياهو حول الرغبة في الاستغناء عن المساعدات الأميركية العسكرية لها أبعاد متعددة منها: رغبته في جعل صناعة السلاح الإسرائيلية مستقلة قدر الإمكان، بجانب تقليص الاعتماد على المساعدات العسكرية الأميركية والاعتماد على الذات، كأحد دروس الحرب، وحظر السلاح الذي فرضه الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، وكذلك أوروبا التي حجبت أسلحة عنه بسبب إبادته غزة.
ومنها أيضًا رغبته في تنمية قدرات التصنيع الحربي الإسرائيلية، وتطوير شركات السلاح التي تبيع معدات تُقدر بـ15 مليار دولار سنويا، تدعم موازنة الدولة العبرية، وتعتبر من أهم مواردها. لكن المفارقة أن صحيفة "جويش إنسايدر" اليهودية الأميركية، نقلت عن مصادر في إدارة الرئيس الحالي دونالد ترامب، 13 يناير، أن "الرئيس رفض اقتراح نتنياهو بشأن إنهاء المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل خلال السنوات العشر المقبلة"!
في المقابل، أيدها أشد النواب الجمهوريين المؤيدين لإسرائيل، ليندسي غراهام، داعيًا إلى بدء خفض المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل فورًا، وعدم انتظار عشر سنوات، لتوفير مليارات الدولارات لدافعي الضرائب الأميركيين. ماذا يريد نتنياهو؟ منذ تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، لمجلة "إيكونوميست"، في 9 يناير عن عزمه إنهاء اعتماد تل أبيب على المساعدات العسكرية الأميركية، وخفضها إلى الصفر في غضون 10 سنوات، والتساؤلات تدور حول سبب ومغزى وهدف القرار.
قال نتنياهو في المقابلة مع مجلة إيكونوميست: "أريد تقليص المساعدات العسكرية تدريجيًا خلال السنوات العشر القادمة إلى الصفر"، و"نريد أن نكون مستقلين قدر الإمكان"، وزعم أنه قال للرئيس الأميركي "بلغنا سن الرشد ومرحلة النضج، وطورنا قدرات هائلة، وسيصل اقتصادنا، خلال 10 سنوات إلى حوالي تريليون دولار، لذا أريد تقليص المساعدات العسكرية تدريجيًا خلال المدة ذاتها".
ولم تكن هذه المرة الأولى، ففي نوفمبر 2025، قال نتنياهو في مقابلة مع التلفزيون الأسترالي، أنه ينظر في تقليص تدريجي لحجم المساعدات العسكرية من الولايات المتحدة، ويرغب في جعل صناعة السلاح الإسرائيلية مستقلة قدر الإمكان.
وقال أيضًا في اجتماع لمجلس الوزراء في مايو 2025: "نتلقى ما يقرب من 4 مليارات دولار لشراء الأسلحة. أعتقد أننا سنضطر إلى تقليل اعتمادنا على المساعدات الأمنية الأميركية". هل يمكنها العيش بلا مساعدات؟ المفارقة أنه قبل تصريحات نتنياهو، ذكر موقع أكسيوس الأميركي نوفمبر الماضي أن تل أبيب طلبت (خلال المحادثات الإسرائيلية الأميركية بشأن حزمة المساعدات العسكرية المقبلة) تجديد حزمة المساعدات مع الولايات المتحدة، إلى 20 عامًا بدلًا من 10 حاليًا، ما يشير لأن النوايا عكس التصريحات!
إذ يجري التفاوض حاليًا على مذكرة التفاهم التالية بين البلدين، بعدما تنتهي الاتفاقية الحالية التي مدتها 10 سنوات في عام 2028، ويعطي الاتفاق لإسرائيل الحق في استخدام جزء من تمويلها العسكري الأجنبي للمشتريات المحلية، وهو امتياز من المقرر إلغاؤه تدريجيًا مع انتهاء مذكرة التفاهم في عام 2028.
وقد تساءلت صحيفة "جويش إنسايدر" اليهودية الأميركية، 13 يناير: "هل تنوي إسرائيل العيش بدون معونة؟"، وتحدثت عن خلاف بين ترامب ونتنياهو حول الخطط الإسرائيلية لإنهاء الاعتماد على المساعدات العسكرية الأميركية قالت إنه عكس ما يريده نتنياهو من الاستغناء عن المساعدات الأميركية في غضون 10 سنوات تمامًا، يشعر الرئيس ترامب بالحيرة، ولم يدعم هذه الخطوة، وذكرت أن وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي السابق وأحد كبار مستشاري نتنياهو، رون ديرمر، هو صاحب الفكرة.
وأنه أبلغ نواب الكونغرس وغيرهم من المسؤولين، أن "هذه الخطوة (تقليص المساعدات) من شأنها تحسين السمعة المُتضررة في الولايات المتحدة"، حيث يتهم أميركيون ترامب بإنفاق أموالهم على أسلحة يرسلها لإسرائيل لإبادة الفلسطينيين، واندلعت تظاهرات ضخمة ضد ذلك.
لكن ترامب قال إنه لا يعتقد أن اقتراح نتنياهو إنهاء المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل، سوف يُحسن صورة إسرائيل أمام الرأي العام الأميركي والمفارقة أن التدخل الأميركي المباشر في شئون إدارة دولة الاحتلال لإنقاذها من حروب غزة ولبنان وإيران، وصل حد تهديد ترامب الإسرائيليين والقضاة والسياسيين بإيقاف المساعدات، لو حاكموا وسجنوا نتنياهو، كي لا يسمح بانهيار الكيان من الداخل وإنقاذه، ما يؤكد أن قرار الاستغناء عن المساعدات ليس في تل أبيب، ولكن في واشنطن.
وقد حذرت مجلة "كالكليست" الاقتصادية الإسرائيلية يوم 25 يونيو 2025، من أن تعليق ووقف المساعدات العسكرية الأميركية "سيكون مكلفًا للاقتصاد الإسرائيلي". نقلت عن مسؤول إسرائيلي كبير قوله: "من الأفضل ألا نتجاوز حدودنا، حيث تبلغ قيمة المساعدات الأمنية الأميركية لإسرائيل 3.8 مليارات دولار سنويًا، وبدونها، سنضطر إلى إيجاد مصدر تمويل آخر لشراء الأسلحة الأميركية".
كما حذر مسؤول آخر من أن "الاقتصاد الإسرائيلي لن يصمد أمام هذا التعليق أو الوقف للمساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل". وأكدت "كالكليست" أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية والصناعات الحربية تخشى أن يؤدي وقف أميركا المساعدات العسكرية (المجانية) لتحمل الموازنة دفع ثمن أي عمليات شراء عسكرية، وبالتالي تقديم تنازلات مؤلمة في مجالات أخرى، مثل التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية، وتقليص المخصصات لها.
وتقول مجلة "كالكليست": تتباهى إسرائيل بقدرة سلاحها الجوي على ضرب إيران واليمن، لكنها في ذلك تدين بالامتنان لصنبور المليارات الذي تفتحه لها واشنطن سنويًا، وهو ما يعني أن "إسرائيل تحصل على هذه الأسلحة الباهظة الثمن من الولايات المتحدة مجانًا. حديث نتنياهو عن الاستغناء عن المساعدات العسكرية الأميركية يبدو بالتالي "بروباغندا" تستهدف الاستعطاف، لأن الواقع الاقتصادي يشير لصعوبة تخلي الاحتلال عن هذا الصنبور المفتوح من المساعدات العسكرية والتنقية، وباعتراف صحف ومحللي الصحف الاقتصادية الإسرائيلية لا يمكن التخلي عنها، بل ومطلوب المزيد منها، خصوصًا بعد الحروب الأخيرة والمتوقعة مستقبلًا، بدليل مطالبة تل أبيب بمد الاتفاق الحالي لعام 2038 بدلًا من 2028.

