يأتي مسلسل رجال الظل – عملية رأس الأفعى في رمضان 2026 كحلقة جديدة في مشروع درامي واضح: تحويل الشاشة المصرية إلى منبر واحد لخطاب السلطة، وتثبيت رواية رسمية عن «الإرهاب» و«الأمن القومي» تُجرَّد فيها جماعة الإخوان المسلمين من أي حضور وطني أو شرعية شعبية، وتُقدَّم حصريًا كجماعة تآمر وعنف، في تجاهل كامل لكونها، في نظر قطاع واسع من المصريين، ضلعًا أصيلًا من نسيج المجتمع، وصاحبة تفويض انتخابي لم تمنح مثله صناديق الاقتراع لأي قوة أخرى في تاريخ مصر الحديث.

 

المسلسل، المعروض حصريًا على شاشة ON E ومنصة WATCH IT، من بطولة أمير كرارة وشريف منير وعودة ماجدة زكي، ومن تأليف هاني سرحان وإخراج محمد بكير وإنتاج سينرجي، يُقدَّم في الصحافة الموالية باعتباره «ملحمة وطنية مستوحاة من وقائع حقيقية» تكشف «بطولات أجهزة الدولة في مواجهة التنظيمات الإرهابية» و«إسقاط العقل المدبر لهذه التنظيمات».

 

لكن خلف هذه العبارة البراقة «مستوحى من وقائع حقيقية» تجري عملية أعمق: إعادة كتابة الوعي الجمعي، وتثبيت نسخة واحدة من التاريخ الحديث لمصر، تُمحى فيها حقيقة أن الرئيس الشهيد الدكتور محمد مرسي كان أول رئيس مدني منتخب في انتخابات وُصفت على نطاق واسع بأنها أول انتخابات رئاسية حرة تنافسية في البلاد، وأن جماعة الإخوان والقوى المتحالفة معها جاءت عبر صناديق لم تملك السلطة حتى اليوم أن تثبت تزويرها أمام أي جهة دولية محترمة. 

 

دراما على مقاس الأمن الوطني: من «الملحمة الوطنية» إلى بروباغندا صريحة

 

الخطاب الترويجي للمسلسل واضح: عمل «أكشن أمني سياسي» يتتبع عملية «رأس الأفعى» التي تستهدف «إسقاط العقل المالي والمدبر للتنظيمات الإرهابية» في إشارة مباشرة إلى قيادات محسوبة على الإخوان، مع تأكيد أن العمل «يوثِّق بطولات الأمن الوطني في حماية الوطن من قوى الظل».

 

بهذا البناء، لا يعود المسلسل مجرد خيال درامي، بل يتحول إلى امتداد فني لملفات القضايا التي صاغتها أجهزة الأمن تحت لافتة «الإرهاب» بعد 2013، حيث يكفي أن تُلصق بتهمة «الانتماء إلى جماعة محظورة» أو «مساعدة تنظيم إرهابي» حتى يُفتح الباب أمام أحكام قاسية ومؤبدات وإعدامات، كثير منها وثقت منظمات دولية أنها صادرة بعد محاكمات تفتقر لأبسط معايير العدالة، وتعتمد في الغالب على تحريات أمنية مبتسرة لا تُقدَّم فيها أدلة مادية حقيقية.

 

حين يعلن المسلسل أنه «مستند إلى وقائع حقيقية»، بينما يعرف المتابع أن هذه «الوقائع» نفسها موضع تشكيك حقوقي وقانوني واسع، فإننا لا نكون أمام توثيق، بل أمام محاولة لتثبيت رواية السلطة باعتبارها الحقيقة الوحيدة، وإكسابها شرعية وجدانية عن طريق الفن.

هكذا تتحول الشاشة إلى ما يشبه «محكمة استثنائية» جماهيرية، تُعاد فيها محاكمة الإخوان وكل المعارضين على الهواء، دون دفاع حقيقي، ودون إتاحة أي مساحة لصوت آخر أو سردية مختلفة.

 

شيطنة الإخوان وإعدام الحقيقة: من صندوق الانتخاب إلى قفص الإرهاب

 

منذ انقلاب الثالث من يوليو 2013، بنت السلطة الحالية بقيادة عبد الفتاح السيسي سرديتها الأساسية على معادلة واحدة: «دولة في مواجهة تنظيم إرهابي».

في هذه المعادلة يتم اختزال الإخوان من قوة اجتماعية وسياسية لها امتداد تاريخي في الجامعات والنقابات والشارع، إلى «خلية» و«تمويل» و«مخطط» و«رأس أفعى».

 

الحقيقة التي يحاول المسلسل وأشباهه طمسها أن الإخوان، سواء اختلفت معهم أو اتفقت، دخلوا معركة السياسة من بابها العلني: حزب، وبرنامج، وانتخابات برلمانية ورئاسية شهدت هيئات مراقبة دولية وإقليمية بأنها تنافسية حقيقية، رغم كل العيوب.

خلال العام الذي تولى فيه مرسي الحكم، لم تُسجل بحق حكومته فضائح نهب منظَّم للمال العام على نمط ما عرفته مصر في عقود ما قبل الثورة؛ وحتى بعد الإطاحة به، ظل تركيز الاتهامات على «الإرهاب» و«التخابر» و«العنف»، بينما لم تظهر ملفات جادة تتعلق بفساد مالي شخصي للرئيس أو كبار قيادات الجماعة، على عكس ما عرفته الأنظمة السابقة واللاحقة.

 

منظمات دولية مثل «هيومن رايتس ووتش» و«العفو الدولية» وصفت أحكامًا جماعية صدرت ضد قيادات وأعضاء في الإخوان بأنها مبنية على «أدلة شحيحة أو منعدمة» و«محاكمات جائرة ذات دوافع سياسية»، ووصل الأمر إلى اعتبار محاكمة مرسي نفسه «محاكمة ذات طابع سياسي» تفتقر لشروط المحاكمة العادلة.

 

مع ذلك، لا يقترب «رجال الظل» من أي من هذه الحقائق؛ لا يقترب من مشاهد الفض الدموي لاعتصام رابعة، ولا من آلاف المعتقلين، ولا من مئات أحكام الإعدام الجماعية التي اعتبرتها منظمات حقوقية «مهزلة قضائية».

كل ما يقدمه هو صورة مسطّحة: ضابط شجاع يلاحق «الخونة»، وتنظيم سرّي يتآمر في العتمة، وشعب صامت يحتاج فقط أن يعرف بطولات «رجال الظل» ليصفق ويصمت.

 

بهذا المعنى، لا يكتفي المسلسل بتشويه الإخوان كجماعة، بل يشيطن فكرة المعارضة من الأصل، ويحوّل أي مشروع وطني بديل إلى شبهة «اختراق» أو «تنظيم» أو «رأس أفعى» جديدة، بما يضرب فكرة التعددية من جذورها، ويُقنع الجمهور بأن البديل الوحيد للسلطة القائمة هو الفوضى والإرهاب.

 

معركة الوعي الحقيقية: ليست على شاشات الشؤون المعنوية

 

تحاول الدولة ترويج «رجال الظل – عملية رأس الأفعى» كجزء من «معركة الوعي» في مواجهة ما تسميه «حروب الجيل الرابع»، لكن المعركة الحقيقية ليست بين مسلسل وإشاعة، بل بين واقع يعيشه المصريون يوميًا، ودراما تحاول تجميل هذا الواقع وتسطيح أسبابه.

 

المصري الذي يقف في طابور العيش، أو يدفع فاتورة كهرباء وبنزين مضاعَفة، أو يرى عشرات الآلاف في السجون بتهم سياسية، يدرك بالفطرة أن حكاية البلد أعقد كثيرًا من ثنائية «بطل وطني» في مواجهة «رأس أفعى».

وحين يرى أن نفس السلطة التي تحارب الإخوان بالمسلسلات تفاوض مؤسسات دولية، وتقترض وتبيع أصول الدولة وتُحَمِّل الأجيال القادمة جبالًا من الديون، سيعرف أن الخطر الحقيقي على الوطن ليس تنظيمًا واحدًا مهما كان وزنه، بل مسار سياسي كامل يحاول إخفاء فشله الاقتصادي والاجتماعي خلف شماعة ثابتة اسمها «الإرهاب».

 

في هذا السياق، يصبح الدفاع عن حقيقة أن الإخوان جزء من النسيج الوطني، وأنهم وصلوا إلى السلطة عبر انتخابات لم تُثبت تزويرها، وأن الاتهامات التي لاحقتهم لاحقًا تحوم حولها شبهات التسييس وانعدام العدالة، ليس «انحيازًا تنظيميًا»، بل دفاعًا عن مبدأ: أن الخصومة السياسية مهما اشتدت لا تُدار بالمشانق والدراما الأمنية، بل بالصندوق المفتوح والقضاء المستقل والجدل الحر.

 

يمكن لمثل هذه المسلسلات أن تحصد نسب مشاهدة عالية، وأن تصنع من بعض الوجوه الفنية أبطالًا في عين السلطة، لكنها لا تستطيع أن تمحو من ذاكرة المصريين أن هناك نصف قصة غائبًا عمدًا: قصة تيار سياسي واجتماعي كبير، جرى عزله وشيطنته وقمعه تحت لافتة «الإرهاب»، بينما تُكتب على الشاشات نسخة وحيدة من الحكاية تقول: لا وطن إلا ما ترويه الدراما، ولا حقيقة إلا ما تعتمدُه الشؤون المعنوية.