في بلدٍ يلتهم فيه التضخم كل زيادة قبل أن تصل إلى جيب العامل، يتحول الحد الأدنى للأجور إلى اختبارٍ مباشر لجدّية الدولة في حماية مواطنيها لا مجرد رقم يُعلن في مؤتمر. ورغم القرارات الرسمية، ما زال كثير من العاملين في القطاع الخاص—خصوصًا في خدمات النظافة والأمن والخدمات المعاونة بالمستشفيات والمرافق—يعيشون تحت رحمة شركات التوظيف والمقاولين: رواتب تتأخر، وأجور تُجزّأ، وتهرّب صريح من تطبيق الحد الأدنى، وكأن القانون “اقتراح” لا إلزام.
قرارٌ يُعلن.. ثم يُترك للتهرّب
رسميًا، جرى رفع الحد الأدنى لأجور العاملين بالقطاع الخاص إلى 7000 جنيه على أن يبدأ التطبيق من 1 مارس 2025.
لكن المشكلة ليست في “الإعلان”، بل في ما بعد الإعلان: قطاع واسع يتعامل مع القرار كأنه بيان علاقات عامة. الأمر وصل إلى البرلمان عبر طلبات إحاطة—من بينها طلب النائبة نيفين إسكندر—بسبب ما وُصف بتهرّب شركات ووكالات تشغيل من الالتزام بالحد الأدنى وتأخر صرف الرواتب بما يهدد استقرار سوق العمل وانتظام الخدمات.
والأكثر قسوة أن الرقم نفسه يأتي بعد موجة رفع سابقة وصلت بالحد الأدنى إلى 6000 جنيه في مارس 2024 قبل الانتقال إلى 7000، ما يعني أن “الزيادة” تُلاحق الانهيار ولا تسبقه.
تفتيش بالأرقام.. والردع على الورق
الأسبوع الذي يفترض أنه “حسم” و“رقابة” يكشف حجم التسيّب. فوفق بيانات منشورة عن حملات التفتيش خلال 21–27 يناير 2026، جرى التفتيش على 2323 منشأة يعمل بها 50,939 عاملًا، مع تحرير 919 إنذارًا، و361 محضرًا لمخالفة تطبيق الحد الأدنى للأجور، إضافة إلى 93 محضرًا لعدم توثيق عقود العمل و41 محضرًا لتشغيل عمالة أجنبية دون تراخيص.
هذه الأرقام ليست “إنجازًا رقابيًا” بقدر ما هي اعتراف رسمي باتساع المخالفة: عندما يظهر في أسبوع واحد مئات المحاضر، فالمشكلة ليست في عاملٍ لا يعرف حقه، بل في منظومة تسمح بتكرار الانتهاك ثم تكتفي بإجراءات لا تغيّر ميزان القوة. التفتيش بلا عقوبات رادعة وسريعة يصبح مثل كاميرا مراقبة لا يتبعها أي تدخل: يوثق الجريمة… ثم يتركها تتكرر.
شفافية مفقودة.. وبيانات تُدفن لتبقى السياسات عمياء
في قلب الأزمة سؤال بسيط: كيف تُصمم سياسات أجور عادلة بينما أدوات القياس نفسها غائبة؟ هنا جاء تحرك النائبة أميرة العادلي بطلب إحاطة حول تأخر نشر بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك، مستندة إلى المادة 68 من الدستور بشأن حق المجتمع في البيانات والمعلومات.
والمفارقة أن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء يعرض البحث كإصدار دوري (كل سنتين)، مع كون آخر فترة منشورة على موقعه مرتبطة بـ 2019/2020 وتاريخ إصدار 2021.
غياب بيانات حديثة لا يعني فقط ضعف التخطيط، بل يعني أيضًا سهولة بيع “الأرقام” في الإعلام دون اختبارها. وحتى عندما يُناقش الحد الأدنى للأجور، تُظهر حسابات حقوقية أن خط الفقر الوطني لأسرة من 4 أفراد قُدّر بنحو 7180 جنيهًا شهريًا (مُحدّثًا للتضخم) في مارس 2024—أي أن أجرًا عند حدود 7000 لا يضمن أصلًا الخروج من منطقة الخطر، ناهيك عن موجات الغلاء اللاحقة.
في النهاية، الأزمة ليست “عدم قدرة” بقدر ما هي غياب إلزام: إلزامٌ بعقوبات فعّالة، وإلزامٌ بنشر البيانات، وإلزامٌ بوقف اقتصاد المقاولة الذي يضغط على أضعف حلقات الخدمات العامة. الحد الأدنى للأجور لا قيمة له إذا كان العامل لا يملك وسيلة سريعة لاسترداد حقه، وإذا كان المخالف يدفع ثمنًا أقل من مكسبه من المخالفة.

