لم يمت أطفال دير أبو فانا بسبب «قضاء وقدر» مجرد، بل سقطوا ضحايا لسورٍ حديث البناء انهار فوقهم في لحظات، كاشفًا هشاشة منظومة السلامة، وغياب أي احترام حقيقي لأرواح البشر. في ساعات قليلة، تحولت زيارة عائلية إلى أحد أقدم الأديرة الأثرية في المنيا إلى جنازة جماعية لأربعة أطفال من مركز ديرمواس، بينما اكتفت البيانات الرسمية بسرد الوقائع الباردة، وتبادل الاختصاصات بين الآثار والمحليات والدير، ووعود روتينية بلجان «فنية» وتحقيقات لا يعرف أحد متى تنتهي ولا من سيحاسَب بعدها. الحادث ليس استثناءً عابرًا، بل حلقة جديدة في سلسلة سقوط أسقف على تلاميذ، ودرابزين على مارة، وبنايات غير مؤمَّنة على رؤوس ساكنيها، بينما تظل المسؤولية الحقيقية بلا صاحب.

 

سور «خارج النطاق الأثري».. هل يعفي أحدًا من المسؤولية؟

 

بحسب الروايات الرسمية، وقع الحادث صباح الجمعة في دير القديس أبو فانا المتوحد الأثري غرب مركز ملوي، بعد انهيار جزء من سور داخلي/خارجي حديث يفصل بين مباني الدير والمزرعة أو المنطقة المحيطة به، وليس من بين الأسوار الأثرية القديمة.

 

هذا التمييز بين «أثري» و«حديث» ليس تفصيلاً بريئًا، بل محاولة مبكرة لتخفيف الضغط عن وزارة الآثار والجهات المشرفة على المواقع التاريخية، عبر رمي الكرة في ملعب إدارة الدير أو الجهات المنفذة لأعمال البناء. لكن السؤال الأهم: كيف يُسمح ببناء سور في نطاق يرتاده الزوار والأطفال دون مراجعة هندسية دقيقة، وتراخيص واضحة، ومتابعة دورية لسلامة المنشأ، سواء كان أثريًا أو حديثًا؟

 

التحقيقات الأولية تشير إلى سقوط كتل بنائية وأحجار بشكل مفاجئ على الزوار، ما أدى إلى مصرع 4 أطفال على الفور أو بعد نقلهم للمستشفى، وإصابة آخرين بجروح بالغة.

 

مصادر كنسية وديرية ذكرت أن السور يفصل بين المنطقة الأثرية ومزرعة تابعة للدير، وأنه ليس من الجزء الذي رممته الجهات الرسمية سابقًا، مع ترجيحات أولية تربط الانهيار بعوامل تتعلق بطبيعة الأرض أو تحركات الرمال. لكن حتى لو صح هذا التفسير، فالعوامل الطبيعية ليست عذرًا؛ بل هي جزء من معطيات أي دراسة هندسية محترمة في منطقة صحراوية مفتوحة، وليست مفاجأة من السماء.

 

أربعة ملائكة يرحلون دفعة واحدة.. ودموع لا تكفي لستر التقصير

 

الضحايا الأربعة ليسوا مجرد أرقام في بيان: بدر شنودة حنا (7 سنوات)، شقيقه تواضروس شنودة حنا (10 سنوات)، نادية أشرف يونان (11 سنة)، شنودة باسم إبراهيم (10 سنوات)، جميعهم من أبناء مركز ديرمواس بالمنيا، خرجوا في زيارة روحية وترفيهية إلى دير تاريخي، فعادوا في نعوش صغيرة محمولة على اكتاف أهلهم.

 

الجنازة التي خرجت من كنيسة العذراء مريم بديرمواس، في موكب واحد يضم التوابيت الأربعة، بحضور الأساقفة والكهنة وأهالي القرية المنكوبة، تحولت إلى مشهد مكثف للحزن والغضب المكبوت في آن واحد؛ حزن على ملائكة رحلت بلا ذنب، وغضب من سؤال يتهرب الجميع من إجابته: من المسؤول عن هذا السور الذي انهار؟

 

إلى جانب الضحايا، أصيب طفلان – على الأقل وفق أغلب الروايات – بإصابات متفرقة، وسط تضارب في الأرقام حول إجمالي المصابين، بين تقارير تتحدث عن إصابتين وأخرى عن أربعة أو أكثر.

 

هذا التضارب نفسه يعكس فوضى إدارة الأزمات في حوادث مشابهة؛ فلا توجد منصة رسمية شفافة تنشر بيانات طبية وقانونية دقيقة لحظة بلحظة، بل تتقدم الروايات الإعلامية والكنسية في الفراغ الذي تتركه الدولة، وكلها لا تغيّر حقيقة واحدة: هناك أطفال بين الحياة والموت، وأسر تقف في ممرات مستشفى ملوي التخصصي لا تعرف إن كانت ستعود بفلذات أكبادها أم بشهادات وفاة إضافية.

 

تعازٍ رسمية ولجان فنية.. لكن أين المحاسبة؟

 

كعادة أي كارثة في مصر، تحركت البيانات بسرعة: وزيرة التضامن الاجتماعي تُصدر تعزية رسمية لأسر الضحايا وقداسة البابا تواضروس الثاني، وتؤكد أن الوزارة «لن تدخر جهدًا» في دعم الأسر المنكوبة، بينما تعلن النيابة العامة انتقالها إلى موقع الحادث لمعاينة السور المنهار وتشكيل لجنة فنية لتحديد الأسباب الفنية والإنشائية، وفحص اشتراطات السلامة، وتحديد المسؤولية القانونية.

 

ظاهريًا، تبدو الإجراءات منضبطة: كردون أمني حول الموقع، نقل المصابين للمستشفى، بدء التحقيقات، ووعود بإعداد تقرير تفصيلي عن سبب الانهيار. لكن تجربة المصريين مع «اللجان الفنية» و«تقارير المعاينة» تقول شيئًا آخر: كثير من هذه الملفات ينتهي إلى تكييف قانوني يحمّل المسؤولية لعامل صغير، أو مهندس تنفيذ، أو حتى «ظروف جوية»، دون الاقتراب من جوهر المشكلة: غياب نظام صارم وفعّال لمراقبة كل منشأة مفتوحة للجمهور، أكانت مدرسة أم كنيسة أم ديرًا أثريًا أو حتى سورًا حديثًا في ظهير صحراوي.

 

السؤال الذي يحتاج إلى إجابة واضحة: من الذي وافق على بناء هذا السور؟ هل حصل على ترخيص من المحليات؟ هل راجعت وزارة الآثار أو لجنة مشتركة أي تصميمات أو تقارير سلامة، بحكم أن المكان ملتصق بمنطقة أثرية تستقبل الزوار باستمرار؟ إذا ثبت أن السور بُني أو جُدد دون مراجعة هندسية أو بمخالفة للمواصفات، فمن الذي سيحاسب: المقاول؟ إدارة الدير؟ المسؤول المحلي الذي أغلق عينيه عن المخالفة؟ أم أن الملف سينتهي إلى «التوصية بعدم تكرار ذلك مستقبلًا» مع تعليق لوحة تحذيرية على جدار جديد؟

 

من دير أبو فانا إلى مدارس مصر وعماراتها: أرواح الفقراء هي الثمن الدائم

 

حادث دير أبو فانا لا يمكن عزله عن سلسلة طويلة من الوقائع التي سقط فيها أطفال ومواطنون بسبب أسقف غير مؤمَّنة، أو أسوار متهالكة، أو مبانٍ مخالفة لم تُراجع يومًا على نحو جاد. الفرق الوحيد هنا أن المكان دير أثري معروف، والضحايا أطفال من أقلية دينية، ما جعل الحادث يحظى باهتمام إعلامي أكبر نسبيًا. لكن في جوهره، نحن أمام المعادلة نفسها: أرواح الفقراء والعاديين، مسلمين كانوا أو مسيحيين، تتحول إلى ثمن يُدفع مقابل التوفير في الحديد والإسمنت، وتجاهل تقارير الصيانة، وإهمال اشتراطات الأمن والسلامة، وفساد منظومة الرقابة.

 

إذا كانت الدولة جادة في منع تكرار هذه الجرائم، فالأمر لا يحتاج إلى بيان تعزية جديد ولا إلى صورة أخرى أمام سور متهدم، بل إلى خطة وطنية واضحة: حصر شامل لكل المباني والأسوار والمنشآت المفتوحة للجمهور، بما فيها الأديرة والكنائس والمساجد والمدارس والملاعب؛ مراجعة هندسية دورية إلزامية؛ نشر نتائج هذه المراجعات بشفافية؛ وتحديد مسؤولية قانونية مباشرة للجهة المالكة والمشرفة والمسؤولة رقابيًا، بحيث لا ينجو أحد من الحساب لمجرد أنه «مؤسسة دينية» أو «جهة سيادية» أو «مسؤول كبير».

 

إلى أن يحدث ذلك، سيظل أطفال مثل بدر وتواضروس ونادية وشنودة يدفعون ثمن إهمال لم يرتكبوه، وسيبقى دير أبو فانا وغيره من الأماكن المقدسة مسرحًا لحوادث كان يمكن من الأساس ألا تقع لو أن حياة البشر في هذا البلد كانت أغلى من سور يُبنى بلا ضمير.