في الوقت الذي تروّج فيه الحكومة لقانون 73 لسنة 2021 باعتباره سلاحًا لحماية المرافق العامة من «المتعاطين»، تتحوّل نتائجه على الأرض إلى كارثة إنسانية واجتماعية لآلاف الأسر. موظفون مفصولون يرفعون شعارًا واحدًا: «نحن لسنا مدمنين.. نحن ضحايا قانون ظالم وتحاليل مشكوك فيها». أحزاب سياسية، ومنظمات نقابية، وعمال مفصولون، توحّدوا مؤخرًا في مذكرات رسمية موجهة لوزير العمل محمد جبران ورئاسة الوزراء، للمطالبة بوقف تنفيذ القانون أو إلغائه، واعتباره «قانون الذبح الوظيفي وخراب البيوت».
هذه المذكرات لا تأتي من فراغ؛ بل على خلفية سنوات من التطبيق العملي لقانون 73، الذي يربط بين الاستمرار في الوظيفة والنجاح في كشوف المخدرات، ويُقرّ الفصل بقوة القانون بمجرد ثبوت التعاطي أو حتى الامتناع عن إجراء التحليل، دون تدرج في العقوبة أو حق حقيقي في العلاج والعودة.
قانون 73.. سيف فصل فوري بلا تدرّج ولا ضمانة للبراءة
قانون 73 لسنة 2021 يحدد شروط شغل الوظائف أو الاستمرار فيها في أجهزة الدولة والهيئات العامة وشركات القطاع العام وقطاع الأعمال العام، وينص على فصل الموظف الذي يثبت تعاطيه المخدرات، أو يرفض إجراء التحليل، مع وقف المرتب فورًا من تاريخ ثبوت النتيجة.
اللائحة التنفيذية التي صدرت في يناير 2022، شددت على حملات مفاجئة في مواقع العمل، ولجان فنية تنتقل فجأة لإجراء التحاليل، بدعوى «سد أبواب التلاعب». لكن ما يُقدَّم رسميًا كضمانة للانضباط، تحوّل عمليًا إلى أداة قاسية للفصل الجماعي، بأقل قدر من الضمانات.
تقرير صحفي استقصائي رصد أن السلطات استخدمت القانون لفصل ما يقرب من ألف موظف خلال عام واحد فقط، بحسب تصريحات مدير صندوق مكافحة وعلاج الإدمان عمرو عثمان في يناير 2023، مع التأكيد على أن الهدف هو «تنقية الجهاز الإداري».
في الوقت نفسه، كان رئيس الوزراء يعلن في 2022 أن الدولة «لا تحتاج أكثر من 30% من عدد موظفيها الحاليين»، ما جعل كثيرين يرون في قانون 73 أداة مثالية لتقليص العمالة تحت لافتة مكافحة المخدرات، لا مجرد قانون للصحة العامة.
الأخطر، كما تكشفه شهادات عمال وحقوقيين، أن التحاليل نفسها ليست فوق الشبهات؛ «لجنة العدالة» وثقت وقفة احتجاجية لموظفين مفصولين أمام البرلمان في مايو 2024، اشتكوا من أن بعضهم يتناول أدوية لأمراض مزمنة، أعطت نتائج إيجابية خاطئة في التحاليل، وسط غياب آلية مستقلة وشفافة للتظلم وإعادة الفحص.
مذكرات أحزاب ونقابات: «لسنا مدمنين.. نحن ضحايا قانون معيب»
في الأيام الأخيرة، تحركت دار الخدمات النقابية والعمالية إلى جانب أحزاب وقوى نقابية في مسار منظم، تمثل في مذكرات رسمية موجهة لوزير العمل ورئيس الوزراء، تطالب بمراجعة شاملة لقانون 73، ووقف العمل به لحين تعديل مواده الأساسية.
هذه المذكرات، التي تأتي امتدادًا لتحركات سابقة لنفس الشبكة النقابية ضد قرارات عمل أخرى، تركز هذه المرة على نقاط محددة في قانون 73، من بينها:
• الفصل بقوة القانون دون تدرج في الجزاء: أي أن الموظف يُقصى نهائيًا من العمل لمجرد نتيجة تحليل واحدة، دون إنذار أو وقف مؤقت أو تحويل للعلاج.
• انعدام التوازن بين حق الدولة وحقوق العامل: فالقانون يعطي رب العمل والدولة سيف الإقصاء الفوري، دون أن يمنح العامل حقًا متكافئًا في الدفاع عن نفسه أو الطعن العلمي على نتيجة التحليل.
• تحويل المتعاطي – حتى لو كان غير مدمن – إلى مجرم و«منبوذ» اجتماعيًا، بدل التعامل معه كحالة تحتاج للعلاج وإعادة الدمج في العمل.
في تعليقات علنية على صفحات رسمية حكومية، كتب مفصولون: «نحن لسنا مدمنين، إحنا اتظلمنا بسبب تطبيق قانون 73 لسنة 2021، عاوزين نرجع شغلنا وبكرامتنا يا ريس»، بينما وصف آخرون القانون بأنه «قانون الذبح الوظيفي وخراب البيوت».
شهادات بعض العمال الواردة في تقارير صحفية مستقلة تكشف أن بعض المفصولين «لا يدخنون سجائر أصلًا»، ومع ذلك جاءت نتائج تحاليلهم إيجابية، وسط غياب أي شفافية حول المعامل المستخدمة، أو طرق سحب العينات، أو إمكانية الخطأ البشري أو الفني.
ثغرات قاتلة: من «الوصم والتشريد» إلى الطعن الدستوري
تقارير حقوقية – منها تقرير موسع لموقع مدى مصر بعنوان «ضحايا قانون 73.. وصم وحبس وتشريد» – ترسم صورة أكثر قتامة: القانون لا يكتفي بالفصل، بل يخلق دائرة كاملة من الوصم الاجتماعي، تصل أحيانًا إلى الحبس في قضايا أخرى مرتبطة بالتحليل أو التشكيك في نتائجه، وتنتهي بتشريد أسر كاملة تعتمد على راتب موظف واحد.
من بين الثغرات التي ترصدها الأحزاب والنقابات والعمال في مذكراتهم:
1. عدم وجود تدرج في العقوبة: لا فرق بين من ثبت عليه تعاطٍ مزمن ومن تعاطٍ عارض أو نتيجة تحليل خاطئة؛ الجميع يُفصلون بالسيف نفسه.
2. غياب مسار للعلاج والعودة للعمل: القانون لا ينص بوضوح على حق الموظف الذي يخضع للعلاج – تحت إشراف صندوق مكافحة الإدمان – في العودة لوظيفته بعد التعافي، ما يجعل الحديث الرسمي عن «الدمج والعلاج» بلا مضمون حقيقي.
3. استغلال القانون لتصفية الحسابات: شكاوى عمالية تشير إلى أن بعض الإدارات تستخدم قانون 73 كذريعة لفصل عمال «غير مرغوب فيهم» أو نشطين نقابيًا، عبر الدفع بهم إلى تحاليل مشكوك في نزاهتها، ثم التلويح بالعقوبة القصوى.
أمام هذا الواقع، لم يعد الغضب العمالي وحده في الميدان؛ فقد أُقيمت بالفعل طعون دستورية على عدد من مواد القانون، بدعوى مخالفته لمبادئ العدالة، وافتراض البراءة، والحق في العمل، وهو ما وصفه تقرير تحليلي بأنه «بارقة أمل صغيرة في نفق طويل» لضحايا القانون.
المذكرات التي انهالت على مكتب وزير العمل لا تطلب «إلغاء مكافحة المخدرات»، بل شيء أبسط بكثير: قانون عادل لا يخلط بين الإدمان والجريمة، ولا يحوّل شبهة تعاطٍ أو خطأ تحليل إلى حكم نهائي بتدمير حياة إنسان وأسرته.
حتى يتحقق ذلك، سيظل قانون 73 بالنسبة لآلاف العمال هو عنوان مرحلة كاملة من الظلم: مرحلة ترفع فيها الدولة شعار «مكافحة الإدمان»، بينما يدفع ثمنها – أولًا وأخيرًا – من لا يدخنون حتى سيجارة واحدة.

