لا أحد يمكنه أن يلوم من يطلق على ما نعيشه وصف «زمن المسخ»؛ فالصورة وحدها أبلغ من ألف خطاب.

 

أن ترى ممثلًا عرفه الناس في مسرحيات الهلس والاستعراض وهو يرتدي فستانًا ويرقص على أنغام «حزمني يا»، يتحول فجأة إلى «أستاذ جامعي» يجسد شخصية دكتور وعالم قضى عمره بين مدرجات الجامعة وزنازين السجون؛ فهذه ليست مجرد «مصادفة فنية»، بل تعبير فاضح عن مشروع متكامل لتشويه الرموز وقلب المعاني وتشويش وعي الأجيال.

 

هذا ما التقطه الفنان وجدي العربي في تدوينته على منصة X، حين نشر صورتين متجاورتين لشريف منير في فستان مسرحي قديم، وفي لحية بيضاء بدور «محمود عزت» في مسلسل «رجال الظل» رمضان 2026، وعلّق ساخرًا بمرارة على هذا الانقلاب في الأدوار، في تغريدة أصبحت وثيقة كاشفة لهذا العبث:

 

 

من فستان «حزمني يا» إلى عباءة الأستاذ الجامعي: ما الذي يريدونه من وعي الناس؟

 

المسألة هنا ليست «أدوارًا فنية» عابرة، بل رسالة سياسية ثقيلة: من حق السلطة أن تعيد تشكيل ذاكرة الناس كما تشاء، وأن تختار من يجسد رموزها وخصومها، وأن تحوّل رجلًا معروفًا بأدوار التهريج والرقص إلى نموذج للأستاذ الوقور والعالم الصامد، فقط لأن السيناريو المكتوب في الغرف المغلقة يريد ذلك.

 

شخصية مثل الدكتور محمود عزت – أستاذ طب، وقيادي قضى سنوات من عمره بين المطاردة والسجون – ليست مجرد «دور» في ورق؛ هي رمز لتيار فكري واجتماعي وسياسي، شئنا أم أبينا. حين يسند تجسيد هذه الشخصية إلى ممثل ارتبط في الوعي الشعبي بصورة «الراقص في الفستان» و«نجم الهلس»، فالرسالة واضحة:

من كان يومًا رمزًا للمقاومة أو للثبات على مبدأ، يمكن اختزاله في كاريكاتير تلفزيوني، ومن يعترض فليكتفِ بالصراخ على مواقع التواصل.

 

هنا يصبح الفن أداة لإعادة كتابة التاريخ، لا لسرده؛ أداة للتهكم على الرموز، لا لتقديم رواية موضوعية عنهم، وأداة لتكريس رواية السلطة وحدها عن الخصوم، لا لفتح باب السؤال أو المقارنة أو البحث عن الحقيقة.

 

وجدي العربي.. فنان يرفض المسخ في زمن البيع بالجملة

 

اختار وجدي العربي منذ سنوات أن يضع نفسه في صف مختلف: فنان يبتعد عن أضواء المسلسلات والـ«شو» الإعلامي، ليحتفظ لنفسه بموقع أخلاقي واضح في مواجهة ما يراه انحرافًا في دور الفن والإعلام. تدوينته عن شريف منير ومسلسل «رجال الظل» ليست مجرد «هزار» أو منافسة مهنية، بل موقف واعٍ من استخدام الممثلين كأدوات في معركة تشويه الرموز.

 

عندما يكتب العربي – الذي عرفه الناس ممثلًا محترمًا قبل أن يعرفوه صوتًا معارضًا – أن من رقص ببدلة رقص لا يليق به أن يجسد رجلاً قضى عمره في العلم والصبر والسجون، فهو يوجه رسالة مزدوجة:

من ناحية، يذكّر الجمهور بتاريخه الفني الذي لم يتلوث بهذا النوع من الأدوار المبتذلة، ومن ناحية أخرى، يفضح كيف تُستخدم «الوجوه المقبولة» إعلاميًا لتبييض رواية السلطة وتسويد صورة خصومها.

 

هذا الموقف يعيد تعريف دور الفنان في لحظة الاختبار: هل هو مجرد «مشخصاتي» يتلو ما يُكتب له مقابل الأجر، أم صاحب رسالة يختار أين يضع موهبته ووجهه واسمه؟ وجدي العربي اختار أن يكون شاهدًا ناقدًا لا كومبارسًا في مسرح العبث، ومن هنا جاءت تدوينته صرخة أقرب إلى بيان أخلاقي منها إلى تعليق عابر.

 

دراما رمضان.. معركة على الوعي وليست مجرد تسلية موسمية

 

رمضان لم يعد مجرد موسم للدراما والبرامج، بل صار – في ظل هيمنة الدولة على الشاشة – ساحة أساسية لإعادة تشكيل الوعي. المسلسلات ليست بريئة؛ الأبطال والشريرون لا يُختارون اعتباطًا، بل وفق هندسة محسوبة: من يُلمَّع، من يُجرَّم، من يُسخَر منه، ومن يُقدَّم للأجيال الجديدة في صورة «الإرهابي» أو «المتطرف» أو «المهرج».

 

حين تُسند شخصية «أستاذ جامعي ومعارض سياسي» لممثل ارتبط اسمه عند الناس بالهلس والتفاهة، فهذه خطوة مقصودة في هذا المشروع؛ رسالة تقول للمتفرج البسيط:

– لا تأخذ هؤلاء الرموز على محمل الجد، فهم في النهاية مجرد «هزار»، مثل الممثل الذي يقلدهم.

 

هكذا تُختزل سير الرجال والنساء الذين دفعوا حياتهم ثمنًا لمواقفهم، في لقطة تمثيلية، في «لوك» لحية ونظارة، في جملة حوار، بينما تُغيب عن الشاشة أسباب صعودهم، ومشروعهم الفكري، وثمن صمودهم.

 

وما يزيد الطين بلة، أن كثيرًا من المشاهدين لا يملكون نافذة أخرى لمعرفة الحقيقة سوى ما تقدمه هذه الأعمال؛ لا وثائقيات حرة، ولا إعلام مستقل، ولا مناظرات حقيقية. هنا يصبح الاعتراض الذي عبّر عنه وجدي العربي ضرورة لا ترفًا؛ محاولة لقول: انتبهوا، ما ترونه على الشاشة ليس «حقيقة»، بل رواية رسمية مكتملة الأركان.

 

في النهاية، ليست المشكلة في شريف منير وحده، ولا في مسلسل واحد مهما كان تأثيره، بل في منظومة ترى في الفن «سلاحًا ناعمًا» ضد وعي الناس، وتستخدم الممثلين كأقنعة لتمرير رسائلها. حين يخرج صوت مثل وجدي العربي ليقول: هذا مسخ وتشويه، فهو لا يهاجم زميلًا بمقدار ما يدافع عن حق الأجيال في صورة صادقة عن رجال عاشوا وماتوا على مواقفهم.

 

ولعل أكثر ما يوجع في المشهد كله، أن من يظنون أن «البدلة الميري» أو «اللحية البيضاء» يمكن أن تمحو ذاكرة الناس، ينسون أن الجمهور ما زال يتذكر «حزمني يا» جيدًا.. ويتذكر معها تمامًا من كان يؤدي دور «الراقصة» ومن كان يحاول – رغم كل شيء – أن يبقى رجلًا في زمن المسخ.