على الرغم من تكرار حوادث القطارات والطرق في مصر، إلا أن كل هذا الكم الكبير من الضحايا الذي يتساقط يوميًا على قضبان السكك الحديدية والأسفلت في مصر ليس كافيًا على ما يبدو للإطاحة بالفريق كامل الوزير من منصب وزير النقل.
والمفارقة أن هذا يحدث وسط تفاخر دولة الانقلاب في مصر بما تعتبرها إنجازات لها في تطوير البنية التحتية من طرق ومحاور وكباري خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يطرح شكوكًا واسعة حول جدواها، في ظل الإنفاقات الباهظة على إقامتها من خزانة الدولة.
زيادة كبيرة في عدد وفيات حوادث القطارات
وفي أحدث نشرة سنوية لحوادث القطارات أصدرها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مايو 2025، شهدت الفترة التي تولى فيها كامل الوزير الوزارة بين 2019 و2023 زيادة كبيرة في عدد الوفيات، على الرغم من التراجع الملحوظ في عدد الحوادث نفسها.
فبينما انخفض عدد الحوادث من 7365 حادثة بين 2014 و2018 إلى 2584 حادثة بين 2019 و2023، ارتفع عدد الوفيات من 267 حالة وفاة إلى 1689 حالة وفاة، ما يمثل زيادة بنحو 600 بالمائة، وهو ما رفع معدل الوفيات الشهري من 4.4 حالة إلى 28 حالة.
وتعكس هذه الأرقام ارتفاعًا في خطورة الحوادث، إذ أصبح تأثير الحوادث أكثر فداحة من حيث عدد الضحايا.
ولم تقتصر الزيادة على الوفيات فقط، بل شهد عدد المصابين أيضًا ارتفاعًا كبيرًا، من 532 مصابًا في الفترة بين 2014 و2018 إلى 2788 مصابًا خلال فترة تولي الوزير.
كما ارتفع معدل خطورة الحوادث من 0.10 إلى 1.7، وزاد معدل قسوة الحوادث من 50 بالمائة إلى 60.5 بالمائة.
حادث الطريق الإقليمي
وشهد العام الماضي 2025 تزايدًا في أعداد حوادث الطرق، كان أكثرها دموية الحادث المروع الذي وقع فجر يوم 27 يونيو 2025 على الطريق الدائري الإقليمي بمركز أشمون، محافظة المنوفية، نتيجة اصطدام ميكروباص بشاحنة نقل ثقيل (تريلا)، مما أسفر عن وفاة 19 فتاة وسائق ميكروباص، أثناء توجههن للعمل في مزرعة عنب.
وعلى الرغم من أن الطريق الذي شهد الحادث وتكلف مليارات الجنيهات لم يمض سوى سنوات قليلة على تنفيذه، إلا أن العيوب الفنية كانت سببًا رئيسًا في وقوع سلسلة من الحوادث الدموية عليه خلال السنوات الأخيرة، وهو ما أثار اتهامات واسعة حول تديد أموال الدولة في مشروعات يشوبها الفساد، دون محاسبة الجهة المنفذة.
وسعى كامل الوزير إلى محاولة امتصاص الغضب الشعبي بالإعلان إثر االحادث عن غلق كلي مؤقت للطريق الدائري الإقليمي في الاتجاه القادم من تقاطع الطريق مع الإسكندرية الصحراوي حتى تقاطع طريق السويس الصحراوي، قبل فتحه جزئيًا في سبتمبر 2025، وذلك لتدعيم ورفع كفاءة الطريق لزيادة السلامة المرورية.
حوادث القطارات في 2025
وعلاوة على هذا الحادث، شهد عام 2025 سلسلة من حوادث القطارات، كان أكثرها دموية في مارس 2025 حين اصطدم قطار بحافلة ميني باص أثناء عبور غير قانوني لشريط السكة الحديد في محافظة الإسماعيلية. وأسفر الحادث عن وفاة ثمانية أشخاص بينهم أطفال، وإصابة نحو 12 آخرين بإصابات متفاوتة.
وفي يوليو 2025، شهدت محافظة المنوفية خروج عربة قطار رقم 906 المتجه من الإسكندرية إلى القاهرة عن القضبان قرب قرية عرب الرمل. ولم يسفر الحادث عن إصابات بشرية، لكنه تسبب في تعطيل حركة القطارات لفترة، قبل أن تتمكن فرق الطوارئ من إعادة انتظام الحركة.
وفي يوليو 2025: شهدت محطة مصر برمسيس حادث تصادم لقطار الركاب رقم 923 القادم من الإسكندرية، إثر اصطدامه بمصدات نهاية الرصيف أثناء دخوله المحطة؛ ما أسفر عن تلفيات ببعض العربات دون وقوع أي إصابات بشرية.
وفي أغسطس 2025: وقع حادث انقلاب قطار بين الإسكندرية ومطروح بالقرب من محطة فوكة، حيث انقلبت بعض عربات قطار رقم 1935 "روسي مكيف" عن مسارها في الكيلو 203 بين محطتي فوكة وجلال نتيجة هبوط في السكة الحديدية. وأسفر الحادث عن سقوط 3 حالات وفاة، و94 مصابًا.
وعلى الرغم من كل هذا الكم المتزايد من الحوادث، إلا أن كامل الوزير بقى محصنًا من أي إقالة، وظل محتفظًا بجانب حقيبة النقل بحقيبة الصناعة، وكأنه يخرج بلسانه لمن يحملونه مسؤولية الدماء التي تشهدها مصر في حوادث الطرق والقطارات.
الأغرب أن الوزير الذي كان يشغل من قبل منصب رئيس الهيئة الهندسية كان مفترضًا به أن يرتقي بقطاع النقل، لكنه لم يختلف عن سابقيه، ولم يتفوق عليهم إلا في كم التصريحات التي يتحدى بها منتقديه، وكأنه يقول للجميع: موتوا بغيظكم.
لذا، فإن بقاء الوزير في منصبه ضمن التعديل الحكومي الذي أعلن اليوم وإن بدا مثيرًا لغضب الكثير من المصريين، لكنه يبدو متسقًا مع توجهات قائد الانقلاب في الاعتماد على "أهل الثقة" بعيدًا عن معيار الكفاءة، ودون النظر لأي اعتبارات أخرى.

