فى ظل الغلاء العام وتآكل الدخول، يواجه المصريون عبئًا جديدًا قبل حتى تشغيل أول مصباح فى منازلهم أو محالهم.

شكاوى متزايدة خلال الأيام الأخيرة تتحدث عن وصول تكلفة تركيب عداد كهرباء سكنى إلى نحو 25 ألف جنيه، والعداد التجارى إلى حوالى 45 ألفًا، وفق ما يتداوله متضررون وفي شكاوى رسمية وغير رسمية.

 

هذه الأرقام، حتى لو اختلفت من حالة لأخرى، تعكس اتجاهًا واضحًا: توصيل الكهرباء لم يعد خدمة أساسية بسعر يمكن تحمله، بل فاتورة ضخمة تجمع بين رسوم ومقايسات وضرائب وتأمينات، فى وقت يعيش فيه ملايين تحت خط الفقر.

 

تكلفة تتضخم بين العداد والمقايسة والرسوم

 

التكلفة التى يواجهها أى مواطن لا تتعلق بسعر العداد وحده. ما يُطلب فى شركات توزيع الكهرباء يتكوّن من حزمة بنود متراكمة، من بينها:

 

•  مقابل مقايسة التوصيل من أقرب نقطة تغذية.

•  تأمين استهلاك يختلف حسب نوع النشاط السكنى أو التجارى.

•  تكلفة الكابلات، واللوحات، وأعمال التركيب.

•  رسوم الدمغة وضريبة القيمة المضافة.

•  تسوية أى مستحقات قديمة على العقار إن وُجدت.

 

فى كثير من المبانى الجديدة، أو المحلات الموجودة فى شوارع جانبية، ترتفع قيمة المقايسة بشكل حاد، بسبب طول مسافة التوصيل أو الحاجة لاستخدام كابلات ذات قدرة أعلى. ومع فرض العدادات مسبقة الدفع، يُطلب من المواطن شحن مبدئى وتأمين إضافى، ما يرفع الفاتورة النهائية أكثر.

 

مصادر فنية داخل شركات التوزيع تربط بين ارتفاع التكلفة وبين فرق القدرة بين العدادات السكنية والتجارية. فالنشاط التجارى يُعامل كحمل عالٍ، ما يرفع قيمة التأمين والمقايسة. لكن من ناحية المواطن، تبقى النتيجة واحدة: مبلغ كبير لا يمكن فهمه بسهولة، يُدفع دفعة واحدة قبل أن يمر التيار فى الأسلاك.

 

أسعار بلا قائمة رسمية وغموض يغذى الشك

 

حتى الآن، لم يصدر عن وزارة الكهرباء أو شركات التوزيع جدول رسمى معلن يحدد تكلفة واضحة لتركيب العداد فى كل حالة. لا يوجد رقم مُلزم يقول إن العداد السكنى يساوى 25 ألفًا أو التجارى 45 ألفًا، لكن شكاوى الناس تتركز حول أن ما يخرج من الخزينة فى النهاية يقترب من هذه الأرقام أو يتجاوزها أحيانًا.

 

شركات التوزيع تبرر بأن ما يُحصَّل ليس «ثمن عداد»، بل قيمة إدخال التيار بشكل قانونى وآمن، فى ظل ارتفاع أسعار النحاس ومستلزمات الكهرباء عالميًا. خبراء طاقة يشيرون بدورهم إلى أن تكاليف البنية التحتية ارتفعت بالفعل، وأن المقايسات الجديدة تعكس جزءًا من هذه الزيادة.

 

لكن المشكلة الأساسية، كما يصفها متضررون، هى غياب الشفافية. كثيرون لا يحصلون على مقايسة تفصيلية توضح سعر كل بند. البنود تُذكر شفهيًا أو فى أوراق فنية غير مفهومة لغير المتخصصين، ما يفتح الباب أمام شعور عام بوجود «مبالغة» أو تحميل المواطن أعباء لا يعرف كيف حُسبت.

 

فى المقابل، يُنصح المواطن الذى يواجه مبلغًا كبيرًا بأن يطلب مقايسة مكتوبة ومفصلة، وأن يتقدم بشكوى رسمية إذا وجد اختلافًا بين المعلن والمحصَّل، أو إذا شعر بوجود رسوم غير مبررة. لكن فى الواقع، يخشى كثيرون من طول إجراءات الشكاوى، أو يؤجلون الاعتراض خوفًا من تعطيل التوصيل الذى ينتظرونه منذ شهور.

 

عبء يسحق السكن الشعبى ويخنق الاستثمار الصغير

 

الأثر الاجتماعى والاقتصادى لهذه القفزة فى التكلفة واضح على مستويين رئيسيين:

 

الأول، الأسر محدودة ومتوسطة الدخل التى تسعى لتركيب عداد قانونى فى شقة سكنية. دفع 25 ألف جنيه فى بلد يتجاوز فيه الحد الأدنى للأجور دخل أسرة كاملة لشهور، يعنى عمليًا تأجيل السكن أو الاقتراض أو اللجوء لمسارات غير رسمية. كثيرون يضطرون للبقاء على توصيلة مخالفة من الجيران أو من مقاولي البناء، مع ما يحمله ذلك من مخاطر فنية وقانونية.

 

الثانى، أصحاب المحال الصغيرة والمشروعات الناشئة. صاحب مشروع يبدأ برأس مال محدود، حين يواجه رقمًا يقترب من 45 ألف جنيه لتركيب عداد تجارى، قد يعيد التفكير فى جدوى المشروع من الأساس. البعض يفضّل العمل دون ترخيص، أو تسجيل عداد النشاط على أنه سكنى، ما يخلق حلقة جديدة من الفوضى والتهرب، بدل إدماج الأنشطة الصغيرة فى الاقتصاد الرسمى.

 

خبراء اقتصاد يحذرون من أن أى سياسة تسعير للخدمات الأساسية يجب أن توازن بين استرداد التكلفة وبين الحفاظ على حد معقول من القدرة على الدفع. رفع كلفة الدخول إلى المنظومة القانونية ربما يوفّر إيرادات قصيرة المدى، لكنه على المدى الطويل يحدّ من عدد المتقدمين للتوصيل الرسمى، ويشجع على التوصيلات العشوائية، ويحرم الدولة من حصيلة منتظمة من شرائح أوسع من المستهلكين.

 

فى النهاية، ما يجرى حول عدادات الكهرباء ليس مجرد خلاف على سعر جهاز، بل مؤشر على طريقة إدارة ملف الخدمات فى ظل الأزمة الاقتصادية. ما لم تُعلن قواعد واضحة، وقوائم أسعار شفافة، وآليات تخفيف حقيقية لمحدودى الدخل، سيبقى السؤال مطروحًا: هل يدفع المواطن ثمن الكهرباء، أم ثمن العجز والفساد وسوء الإدارة الذى يتراكم فوق كتفيه كل يوم؟