يتواصل سقوط الضحايا المدنيين في قطاع غزة، في وقت يفترض أن يسود فيه اتفاق وقف إطلاق النار، مع تسجيل شهداء وجرحى جراء إطلاق نار وقصف مدفعي وغارات جوية إسرائيلية في مناطق متفرقة من القطاع، ما يعكس هشاشة التهدئة واستمرار التوتر الميداني. وتأتي هذه التطورات في ظل تحركات سياسية إقليمية ودولية مكثفة، ومخاوف متصاعدة من تفاقم الأزمة الإنسانية والكارثة التعليمية والصحية التي يعيشها أكثر من مليوني فلسطيني داخل القطاع المحاصر.
شهداء وإصابات في خروقات ميدانية متواصلة
أفادت مصادر محلية باستشهاد مواطنين وإصابة عدد آخر، الخميس، نتيجة إطلاق نار من قوات الاحتلال في مناطق مختلفة من قطاع غزة.
وذكرت المصادر أن مواطناً استشهد وأصيب آخرون قرب دوّار الكويت جنوب حي الزيتون جنوب شرقي مدينة غزة، فيما قُتل الشاب محمد سليم دبابش برصاص القوات الإسرائيلية في منطقة الزرقاء بحي التفاح شمال شرقي المدينة.
وفي وسط القطاع، أصيب أربعة مواطنين بينهم سيدة بعد تعرضهم لإطلاق نار على شارع صلاح الدين، بينما شهد مخيم جباليا شمالي القطاع إطلاق نار مكثفاً أعقبه قصف مدفعي وتوغل آليات عسكرية وجرافات تحت غطاء ناري، ما أدى إلى تدمير ما تبقى من منشآت تعليمية تابعة لوكالة “أونروا”، وفق روايات محلية.
كما استمرت عمليات نسف مبانٍ سكنية شرقي المحافظة الوسطى وشرقي مدينة غزة، في حين استهدفت آليات عسكرية منازل في مخيم المغازي بإطلاق نار كثيف من الرشاشات الثقيلة، ما أدى إلى أضرار مباشرة في أحد المنازل. وأصيب أطفال في حي الزيتون جراء نيران طائرة مسيّرة، أعقبها قصف مدفعي للمنطقة ذاتها.
وفي جنوب القطاع، أصيب طفل برصاصة في الظهر أثناء نومه داخل خيمته في منطقة المسلخ جنوب خان يونس، نتيجة إطلاق نار مكثف باتجاه المنطقة. كما شنت طائرات حربية غارة جوية على شرق المدينة صباح الخميس، في مؤشر على استمرار العمليات العسكرية رغم التهدئة المعلنة.
أرقام الضحايا تتصاعد رغم التهدئة
أعلنت وزارة الصحة في غزة، في تقريرها اليومي، وصول أربعة شهداء جرى انتشالهم من تحت الأنقاض وخمس إصابات إلى مستشفيات القطاع خلال 24 ساعة. وأكدت أن عدداً من الضحايا لا يزال تحت الركام وفي الطرقات، مع صعوبة وصول فرق الإسعاف والدفاع المدني بسبب استمرار القصف وخطورة الأوضاع.
ووفق البيانات الرسمية، بلغ عدد الشهداء منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر نحو 591 شهيداً و1,583 إصابة، إضافة إلى 724 حالة انتشال من مناطق مختلفة. أما منذ بداية الحرب في 7 أكتوبر 2023، فقد ارتفع إجمالي الضحايا إلى أكثر من 72 ألف شهيد ونحو 171 ألف مصاب، في حصيلة تعكس حجم الكارثة الإنسانية المتواصلة.
تدمير واسع للقطاع التعليمي
على صعيد آخر، قالت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) إن نحو 90% من مدارس قطاع غزة تعرضت للضرر أو دمرت خلال الحرب. وأوضحت أن المدارس المتبقية تحولت إلى مراكز إيواء للنازحين، فيما يتلقى الأطفال تعليمهم في مساحات مؤقتة أو عبر وسائل تعليم رقمي محدودة.
وذكرت الوكالة أن القوات الإسرائيلية هدمت مدرسة تابعة لها في جباليا باستخدام المتفجرات، وكانت آخر مبنى متبقٍ ضمن مجمع يضم ست مدارس، مشيرة إلى تدمير ثماني مدارس أخرى منذ يناير الماضي. ورغم إعادة افتتاح مركز البريج الصحي شرق المنطقة الوسطى لتقديم خدمات الرعاية الأولية، حذرت “أونروا” من أن الأوضاع الإنسانية والصحية لا تزال تتدهور.
وفي السياق ذاته، وصف تقرير أكاديمي صادر عن جامعة كامبردج الوضع التعليمي في غزة بأنه “إبادة تعليمية”، نتيجة التدمير الواسع للمدارس واستشهاد آلاف الطلبة ومئات المعلمين، ما أدى إلى شلل شبه كامل في المنظومة التعليمية. وأشار التقرير إلى أن الصدمات النفسية وفقدان البيئة الآمنة سيؤثران في قدرة الأطفال على التعلم لسنوات طويلة.
تحركات سياسية ومفاوضات في القاهرة
سياسياً، وصل وفد من حركة حماس برئاسة خليل الحية إلى القاهرة لإجراء مباحثات مع الوسطاء حول تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار وتعزيز الجهود الإنسانية وإعادة الإعمار. وقالت مصادر مطلعة إن الزيارة تأتي في إطار متابعة التفاهمات الميدانية وتسهيل إدخال المساعدات والإغاثة العاجلة لسكان القطاع.
في المقابل، أثارت خطوة توقيع رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو على مذكرة الانضمام إلى ما يسمى “مجلس السلام” خلال زيارة إلى واشنطن ردود فعل فلسطينية غاضبة، حيث اعتبرها قادة في حماس محاولة لتكريس واقع سياسي يتجاهل معاناة الفلسطينيين في غزة.
واقع إنساني متفاقم
رغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ قبل أشهر، لا يزال أكثر من 2.4 مليون فلسطيني في غزة يعيشون ظروفاً إنسانية قاسية، بينهم نحو 1.5 مليون نازح، في ظل دمار واسع للبنية التحتية ونقص حاد في الخدمات الأساسية والرعاية الصحية والتعليم.
وتحذر منظمات إنسانية من أن استمرار العمليات العسكرية المتقطعة وعرقلة جهود الإغاثة قد يدفع القطاع إلى مزيد من الانهيار، فيما تتزايد المخاوف من أن تتحول التهدئة إلى حالة هشة قابلة للانفجار في أي لحظة، ما لم تُتخذ خطوات حقيقية لضمان وقف شامل ومستدام لإطلاق النار وإطلاق عملية إعادة إعمار واسعة.

