محمد جمال عرفة

كاتب صحافي مصري

 

خصصت مجلة ذا إيكونوميست البريطانية المقال الرئيسي في عدد 7 فبراير الجاري، لوصف العملة الأميركية (الدولار) بأنها باتت "عملة سامة"، والتشديد على أن "النظام المالي العالمي التقليدي القديم ينهار"، لأنه يعتمد على تلك العملة التي تنهار.

 

"ذا إيكونوميست" جسدت "الدولار الخطير" في صورة أفعى سامة، خبيثة ومحفوفة بالمخاطر، وتهديد يصعب السيطرة عليه، في إشارة إلى خطر انهيار الاقتصاد الأميركي، وقالت: "ينبغي للجميع أن يحزنوا على كيف أن الدولار الذي كان أصلًا يمثل ملاذًا آمنًا للمستثمرين ثم أصبح ملوثًا بشكل متزايد بالمخاطر التي يجب على العالم بأسره تحملها الآن".

 

سبب وصف الدولار بأنه "عملة أفعى سامة" يرجع إلى أن الأصول الدولارية خصوصًا، والأميركية عمومًا، لم تعد ملاذًا آمنًا للمستثمرين، وأن العملة الأميركية نفسها باتت تُشكل خطرًا على الاقتصاد، فبينما تدّعي الولايات المتحدة وترامب امتلاكهم "اقتصادًا عظيمًا"، تُشير الأرقام إلى عكس ذلك، فمنذ وصوله إلى ذروته في يناير 2025، فقد الدولار عُشر قيمته في تصنيف العملة. ووفق الأرقام تراجع الدولار بعد أكثر من عقد من القوة، ومكاسب كبيرة بين عامي 2020 و2022، بفعل النمو الاقتصادي الأميركي بعد جائحة كورونا وأسعار الفائدة المرتفعة نسبيًا، الذي رفع طلب المستثمرين على الورقة الخضراء، وبدأ رحلة الهبوط في العام الماضي، فانخفض مؤشر الدولار، الذي يقيس قيمته مقابل سلة من العملات، بنسبة تقارب 10%، مسجلًا أسوأ أداء له منذ عام 2017.

 

وحدث جزء كبير من هذا التراجع في الأسابيع التي أعقبت إعلان ترامب فرض تعرفات "يوم التحرير" الجمركية على شركاء الولايات المتحدة التجاريين، وواصل الانخفاض في يناير الماضي وفبراير الجاري، أكثر، مع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وأوروبا بشأن غرينلاند وحروب الرسوم والتجارة.

 

أيضًا الأسهم الأميركية المقومة باليورو لم تحقق أرباحًا تُذكر للمستثمرين خلال العام الماضي، وقد أكد خبراء مجلة ذا إيكونوميست أن هذا ليس مجرد تقلب مؤقت، بل تغيير جوهري، ويؤكدون أن العالم يدرك تمامًا أن إيداع المدخرات بعملة دولة مثقلة بديون وطنية فلكية (تتجاوز 38.7 تريليون دولار) وتفرض عقوبات صارمة، يُعد مخاطرة لا مبرر لها. وتجاوزت الديون الأميركية ما يعادل 120% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى مرتفع تاريخيًًا مقارنةً بمتوسط لا يتجاوز 60 – 70% في الاقتصادات المتقدمة خلال العقود السابقة.

 

النظام المالي يتفكك

 

كل هذه مؤشرات مقلقة لصانع القرار الأميركي وتؤشر على أن النظام المالي العالمي التقليدي القائم على الدولار بدأ مرحلة التفكك، لأن الأصول المقومة بالدولار لم تعد ملاذًا آمنًا، والعملة الأميركية نفسها باتت أداة تنطوي على مخاطر مرتفعة، باعتبار أن الدولة التي تُصدرها يبلغ دَينُها العام أكثر من 38 تريليون دولار، فضلًا عن انتهاجها سياسة عقوبات تشهرها في وجه الدول التي لا تخضع لها، ما يقوض الثقة بالدولار بوصفه أصلًا عالميًا للحماية واحتياطيات النقد الأجنبي، ويجعل الجميع يفكر في بدائل أخرى. وأدى استخدام ترامب العقوبات المالية والاقتصادية أداة سياسية إلى زيادة توجه بعض الدول نحو تنويع احتياطاتها، وتقليل الاعتماد الأحادي على الدولار، دون أن يصل ذلك إلى استبداله فعليًا، لكن هذا التراجع وبوادر الانهيار ساهما في تنويع دول الاحتياطات لتكون خيارًا عقلانيًا لإدارة المخاطر.

 

هذا لا يعني انهيارًا وشيكًا للعملة الأميركية، لكنه يفتح الباب لأسئلة ملحة بخصوص مستقبل هيمنتها المطلقة على الأسواق والاقتصادات العالمية وتسعير السلع الرئيسية وتكوين احتياطيات البنوك المركزية، ويحذر أن هذه الهيمنة المالية للدولار إلى زوال. فالدولار لا يزال يُشكل 58% من احتياطات البنوك المركزية عالميًا، مقارنةً بحوالى 20% لليورو وأقل من 3% لليوان الصيني، ما يعكس استمرار تفوُّقه النسبي برغم التراجع التدريجي في السنوات الأخيرة خصوصًا مع توجه الدول نحو حيازة الذهب.

 

لكن ضعف الدولار يؤدي أيضًا إلى تقليل القدرة الشرائية للأميركيين، ويجعل أميركا ليس عظيمة كما يدعي ترامب، وفي حال استمرار هذا الوضع، فإن ذلك يُنذر بتفاقم التضخم داخل الولايات المتحدة، وحينها سيواجه الأميركيون ارتفاعًا في أسعار الواردات. وأثارت هذه الانخفاضات أيضًا تساؤلات أوسع عما إذا كانت مكانة الدولار بصفته عملة عالمية رئيسية مهددة، بعد أن ساعدت لعقود في الحفاظ على انخفاض تكاليف الاقتراض في الولايات المتحدة نسبيًا.

 

ورغم تأكيد مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجيفا، في مقابلة مع تلفزيون بلومبيرغ، أن العملة الأميركية ستحتفظ على الأرجح بمكانتها المهيمنة في النظام النقدي العالمي، معتبرة التقلبات الأخيرة لا تعني أي تغيير وشيك في دور الدولار، فإن هناك مؤشرات جديدة على أن السوق بدأ يتحول بالفعل ويبحث عن بدائل للدولار، وأن العالم يشهد تحولًا جذريًا، وفي هذا "العالم المقلوب"، تتضاءل الثقة بالدولار مع تزايد المخاوف بشأن المخاطر، ولم يعد الدولار يُنظر إليه ملاذًا آمنًا، ويبحث المستثمرون بنشاط عن بدائل.

 

ويرجع محللون ماليون في معهد بروكينغز أسباب مواصلة الدولار تراجعه جزئيًا إلى قلق السوق إزاء سياسات إدارة الرئيس ترامب العشوائية مثل التصعيد ثم التهدئة ثم التصعيد، وأن انخفاض الدولار "يعكس بشكل أساسي، شعور الأسواق بأن هذا التذبذب الفوضوي يضر بالولايات المتحدة أكثر من أي طرف آخر".

 

وهناك عوامل أخرى وراء هز الثقة بالدولار، مثل ازدياد فرص الاستثمار في الخارج، وعمليات البيع المكثفة في سوق السندات اليابانية أخيرًا، ودفع عمليات البيع بعض المتداولين إلى إلغاء صفقاتهم التي كانت تهدف إلى الاستفادة من الفروقات في القيمة بين الين والدولار. وبسبب عدم اليقين في العملة الأميركية، حدث الارتفاع الكبير الأخير لسعر الذهب، إذ تضاعفت قيمته خلال العام الماضي والحالي مع سعي المستثمرين لإيجاد ملاذ آمن ومنخفض المخاطر لأموالهم، كذلك ارتفعت قيمة اليورو والجنيه الإسترليني مقابل الدولار، بينما حققت إحدى عشرة عملة من أصل تسع عشرة عملة في الأسواق الناشئة التي تتابعها مؤسسة أكسفورد إيكونوميكس مكاسب تجاوزت 1% فقط.

 

ومن أسباب التراجع أيضًا، وتحول العملة الأميركية إلى عملة سامة، تجنب المستثمرين العالميين الاستثمار في الولايات المتحدة، حيث خفضت صناديق التقاعد في أمستردام والدنمارك حيازاتها من سندات الخزانة الأميركية، لذا جاءت توقعات بنك آي إن جي بانخفاض الدولار مرة أخرى بنسبة تراوح بين 4-5% هذا العام، مع تحسن آفاق النمو خارج الولايات المتحدة.

 

والمفارقة هنا أنه بالتزامن مع تراجع الدولار، تخشى أسواق المال أن يكون الخطر الحقيقي يكمن في تخلي الدولار عن شكله (الورقي)، بينما ترتدي العملة الرقمية البيتكوين ثيابًا جديدة، علمًا بأن ترامب يخطط لعملة إلكترونية تسحب السوق وتعوض ديون أميركا، أي "تدفيع العالم ديون أميركا بخدعة اقتصادية". والخدعة ببساطة تكمن في تدفيع العالم ثمن الديون الأميركية الباهظة، عبر خدعة "قانون جينيس"، أو GENIUS ACT للعملات الرقمية، أو "حصان طروادة" الرقمي، بحيث تقوم الولايات المتحدة بإذابة ديونها الـ 38 تريليون دولار، في الاقتصاد العالمي، من خلال قانون GENIUS ACT الذي سيفتح الباب أمامها لتمويل عجزها التجاري والمالي عبر أصول رقمية (ستابل كوينز Stable-coins)، أو "الكريبتو"، أي بورصة تبادل العملات الرقمية، مدعومة بسندات الخزانة، فبدلًا من طباعة الدولار التقليدية، ستذوب هذه الديون وتتوزع عبر دول العالم التي ستستثمر في هذه العملات الرقمية الأميركية.

 

ويرتبط بهذا رصد توسع أميركا في طباعة الدولار من الهواء وكيف سيؤثر ذلك بالعالم، ففي العام الماضي 2025 فقط، قفز المعروض النقدي من طباعة الدولار بقيمة 1.7 تريليون دولار، ليصل الإجمالي إلى مستوى قياسي يقارب 27 تريليون دولار ما يبين حجم الأزمة المالية الأميركية التي يجري ترقيعها بالورق المطبوع. كذلك لم يعد المستثمرون يلجأون إلى الملاذات الآمنة التي اعتادوها، فعلى مدى عقود، تهافتوا على سندات الخزانة الأميركية عند اضطراب الأسواق، ما أكسبها لقب "الملاذ الآمن"، لكن منذ إعلان ترامب في إبريل الماضي فرضه سلسلة من الرسوم الجمركية على دول العالم، ارتفعت عوائد سندات الخزانة طويلة الأجل بالتزامن مع انخفاض أسعار الأسهم، وبات من الصعب أن تبقى سندات الخزانة ملاذًا آمنًا عندما تكون الحكومة الأميركية نفسها هي المحرك الرئيسي للاضطرابات، ويأتي التهديد، كما في أفلام الرعب، من داخل المؤسسة نفسها.

 

لذا يستمر التراجع في الطلب على الدولار بشكل ملحوظ، ويستمر التآكل في مكانة أميركا ملاذًا آمنًا للأموال، خصوصًا في ظل حالة عدم اليقين بشأن سياسة بنكها المركزي واستقلاليته، وجاذبية الدولار تعتمد بشكل متزايد على قدرة الأصول الأميركية على التفوق على نظيراتها في بقية أنحاء العالم، وهذا أساس هش لبناء ولاء المستثمرين.