تصاعدت شكاوى مصريين مقيمين في الخارج من اشتراط ما يُعرف بـ«الموافقة الأمنية» قبل تجديد جوازات السفر أو إنجاز معاملات قنصلية أخرى، باعتباره شرطًا غير معلن المعايير يطيل الإجراءات ويترك طالبي الخدمة أمام فراغ قانوني قد يهدد الإقامة والعمل ولمّ الشمل.

يأتي ذلك بينما تقدّر جهات رسمية عدد المصريين بالخارج بنحو 14 مليونًا، ما يجعل أي تعقيد في الوثائق مسألة تمس شريحة ضخمة من المواطنين لا حالات فردية متفرقة.

 

 

شرط أمني بلا معايير شفافة: من قرار إداري إلى «بوابة» تتحكم في حق أصيل

 

تقول روايات متضررين ومنظمات حقوقية إن «الموافقة الأمنية» تُستخدم عمليًا كمرحلة فاصلة قد تتوقف عندها المعاملة دون مبررات مكتوبة أو جدول زمني واضح، وهو ما يخلق وضعًا رماديًا: المواطن يحتاج وثيقة سيادية (جواز/شهادة ميلاد/بطاقة) لكن القرار يتأخر أو يُرفض دون تسبيب يمكن الطعن عليه.

 

في تقرير موثق، قالت هيومن رايتس ووتش إن السلطات المصرية «رفضت منهجيًا» خلال السنوات الأخيرة إصدار أو تجديد وثائق أساسية لعشرات المعارضين والصحفيين ونشطاء حقوق الإنسان في الخارج، وأن ذلك يبدو بهدف الضغط عليهم للعودة ومواجهة خطر الاضطهاد.

 

ونقل التقرير عن آدم كوغل (نائب مدير الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش) أن حرمان الأفراد من الوثائق الثبوتية الأساسية يشدد الخناق على معارضين بالخارج ويُقيد حياتهم اليومية.

 

وبالتوازي، تشير تقارير دولية رسمية إلى وجود “بلاغات” عن منع خدمات قنصلية أو سحب/إلغاء وثائق هوية لمواطنين بالخارج بما يهدد وضعهم القانوني.

 

المشكلة هنا ليست في حق الدولة بمراجعات أمنية في حالات محددة، بل في غياب معيار مُعلن ومكتوب يحدد: من يُطلب منه هذا الإجراء؟ ولماذا؟ وكم يستغرق؟ وما هي آلية التظلم؟

 

آثار عملية على الإقامة والعمل ولمّ الشمل: الضرر لا يقتصر على السياسة

 

تؤكد منظمات حقوقية أن تعذر تجديد جواز السفر أو استخراج شهادات ميلاد للأطفال أو وثائق مدنية أخرى يؤدي إلى تعطيل حقوق أساسية: الإقامة القانونية، التوظيف، التأمين الصحي، القيد الدراسي، وإجراءات لمّ الشمل. وتضيف أن الأسر هي التي تدفع الفاتورة عندما يتحول “التأخير الإداري” إلى أزمة حياة يومية.

 

وفي تقرير حديث عن “القمع العابر للحدود”، نقل المنتدى المصري لحقوق الإنسان (EHRF) عن أليكسيس ديسواف (رئيس الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان FIDH) أن مصر من بين الدول الأكثر نشاطًا في “القمع العابر للحدود”، مشيرًا ضمن أدواته إلى “رفض الخدمات القنصلية ووثائق الهوية، بما يشمل الأطفال”.

 

التعبير هنا مهم لأنه يضع المسألة خارج إطار “إجراء روتيني”، ويقدمها كأداة قد تُستخدم انتقائيًا.

 

كما شارك في الفعالية ذاتها معتز الفجيري (نائب رئيس EuroMed Rights)، وهو باحث وخبير حقوقي مصري، ضمن نقاشات تناولت أثر تقييد الوثائق على المنفيين وأسرهم.

 

الخلاصة التي يرددها متابعون: الوثائق ليست “خدمة ترفيهية”، بل شرط وجود قانوني في دولة الإقامة، وأي تعطيل ممتد يساوي عمليًا دفع المواطن إلى حافة المخالفة أو فقدان الخدمات.

 

الحكومة تتحدث عن “تطوير قنصلي”.. لكن السؤال عن «الضمانات» ما زال بلا إجابة

 

على الجانب الرسمي، تتحدث وزارة الخارجية والهجرة عن تسريع الخدمات القنصلية والتحول الرقمي وتطوير آليات إصدار الوثائق للمصريين بالخارج.

 

هذه الإجراءات قد تقلل زمن المعاملة، لكنها لا تجيب عن لب الأزمة محل الشكاوى: ماذا يحدث عندما تُعلّق المعاملة بسبب “موافقة أمنية”؟ وما حدود سلطة التعطيل؟ وما مسار الاعتراض؟

 

في هذا السياق، يشير تقرير IFEX إلى أن إنكار الخدمات القنصلية ووثائق الهوية يُذكر كأحد أنماط “الضغط العابر للحدود” ضد المعارضين والمنفيين.

 

وتتلاقى هذه الإشارة مع موقف منظمات مثل CIHRS التي انتقدت “تسليح” أدوات العمل الدبلوماسي ضد أنشطة سلمية بالخارج، بما يعزز مطالبة الحقوقيين بفصل الخدمات القنصلية عن أي اعتبارات انتقامية أو تقديرية غير قابلة للرقابة.

 

ما الذي يطلبه المتضررون عمليًا؟

 

  • نشر قواعد مكتوبة تحدد حالات طلب “الموافقة الأمنية” وحدودها الزمنية.
  • إلزام القنصلية بتسبيب أي قرار تعطيل/رفض كتابةً، وتمكين المواطن من التظلم.
  • آلية مراجعة مستقلة داخل وزارة الخارجية لمعاملات الوثائق المتعثرة.
  • ضمان عدم امتداد الأثر إلى الزوج/الزوجة/الأطفال في الوثائق الأساسية.

 

جوهر الموضوع: ليست “زيادة أوراق” أو “زحمة قنصلية”، بل حق في وثائق هوية يتحول—وفق تقارير حقوقية ودولية—إلى أداة انتقائية قد تعاقب الفرد وأسرته عبر تعطيل الجواز والوثائق، دون معايير شفافة أو مسار طعن واضح.