أدى عدد من المحافظين ونواب المحافظين الجدد اليمين الدستورية صباح اليوم في قصر الاتحادية بمصر الجديدة، أمام قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي وبحضور رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي ووزيرة التنمية المحلية منال عوض.

 

الحركة قُدمت رسميًا باعتبارها “إعادة ترتيب الصفوف” ودفعة لكفاءات جديدة لتحسين الخدمات وجذب الاستثمارات. لكن تفاصيل الأسماء والمسارات تكشف اتجاهًا ثابتًا: استمرار الثقل الأكبر للقيادات ذات الخلفية العسكرية والأمنية في إدارة المحافظات، مع حضور محدود لكوادر مدنية وأكاديمية.

 

البيان المصاحب للحركة يتحدث عن “تعزيز الأداء التنفيذي” ورفع كفاءة العمل المحلي. هذا خطاب متكرر مع كل تغيير. الاختبار الحقيقي هنا ليس في الصياغة، بل في طبيعة الاختيارات.

 

القائمة تضم 21 محافظة شملتها تعيينات أو تغييرات، إلى جانب أداء نواب محافظين اليمين في محافظات عديدة. ورغم الإشارة إلى “تنوع الخلفيات”، تظل الألقاب العسكرية من نوع “لواء” و“فريق” هي الأكثر حضورًا في الصف الأول للمحافظين، وهو ما يعيد فتح سؤال قديم حول عسكرة الإدارة المحلية وحدود دور المدنيين.

 

محافظون جدد وتنقلات واسعة.. والرتب العسكرية في الواجهة

 

الحركة شملت محافظين جدد في محافظات من بينها مطروح والجيزة وبورسعيد والفيوم والغربية وجنوب سيناء والإسكندرية والوادي الجديد ودمياط وأسوان والإسماعيلية والمنوفية وكفر الشيخ والسويس وقنا وسوهاج وأسيوط وبني سويف والقليوبية والبحر الأحمر. هذا الاتساع يُظهر أن التغيير لم يكن هامشيًا. لكنه في الوقت نفسه لم يقطع مع نمط التعيين السائد، بل أعاد إنتاجه بأسماء جديدة أو منقولة.

 

في قائمة “المحافظين المستمرين” تظهر دلالة واضحة. 3 من 4 يحملون رتبة “لواء”، مقابل محافظ واحد فقط يحمل لقبًا أكاديميًا “دكتور”. استمرار هذا التوازن في مواقع سيادية مثل القاهرة والدقهلية والمنيا وشمال سيناء يوحي بأن معيار “الخبرة النظامية” لا يزال مفضلًا عند تثبيت المناصب، حتى حين يُقال إن الهدف هو “تنمية محلية” وخدمات يومية تحتاج أدوات إدارة مدنية تفصيلية.

 

أما قائمة “المحافظين الراحلين” فتضم خليطًا من ألقاب: “مهندس” و“لواء” و“فريق” و“دكتورة”. لكنها تكشف أيضًا أن الحركة تدور داخل الدائرة نفسها أكثر مما تفتحها. وجود عدد كبير من المحافظين الراحلين من أصحاب الرتب العسكرية لا يعني تراجع العسكرة، لأن جزءًا معتبرًا من الحركة قائم على النقل أو الإحلال بقيادات من النوع نفسه، بما يضمن استمرار النمط لا تغييره.

 

قائمة “المحافظين المنقولين” تُبرز هذا المعنى بشكل أدق. هناك انتقال المهندس أيمن عطية من القليوبية إلى الإسكندرية، وانتقال اللواء إسماعيل كمال من أسوان إلى جنوب سيناء، وانتقال اللواء محمد الزملوط من الوادي الجديد إلى مطروح، وانتقال الدكتور أحمد الأنصاري من الفيوم إلى الجيزة، ثم نقل اللواء إبراهيم أبو ليمون من المنوفية إلى بورسعيد. التبديل هنا سريع. لكنه يظل قائمًا على تدوير داخل النخبة نفسها، لا على فتح منافسة عامة أو مسارات اختيار شفافة.

 

وفي “المرشحين الجدد” تبرز أسماء برتب عسكرية أيضًا، مثل اللواء طارق راشد لسوهاج واللواء محمد علوان لأسيوط، إلى جانب أسماء بلا ألقاب نظامية معلنة مثل عبد الله عبد العزيز للفيوم وحنان مجدي للوادي الجديد. حضور المدنيين قائم لكنه أقل كثافة في الصف الأول، ويبدو كاستثناء لا كقاعدة. هذه ملاحظة بنيوية تتعلق بتوازن الدولة بين الإدارة المدنية والإدارة ذات الطابع الأمني، لا بتقييم أشخاص بعينهم.

 

نواب المحافظين: مسمى إداري جديد أم امتداد لمنطق “المتابعة والسيطرة”؟

 

الحركة تضمنت أيضًا أداء نواب محافظين اليمين في محافظات منها القاهرة وسوهاج وأسوان والوادي الجديد والدقهلية والإسكندرية والبحيرة والغربية والمنيا ودمياط والسويس. ويُقدَّم منصب نائب المحافظ باعتباره ركيزة لتطوير الإدارة المحلية، خصوصًا في متابعة المشروعات القومية والتحول الرقمي والتخطيط العمراني وتحسين الخدمات. هذا توصيف منطقي على الورق، لأن المنصب يمكن أن يخفف العبء التنفيذي ويرفع جودة المتابعة.

 

لكن القائمة التفصيلية لـ 12 نائبًا تحمل دلالة أخرى. معظمهم يحملون ألقابًا أكاديمية واضحة مثل “الدكتور” و“الدكتورة” ولقب “المهندس”، مع أسماء متعددة في القاهرة وحدها. ذلك قد يُفهم كاتجاه لإسناد الملفات الفنية والتخطيطية إلى كوادر متخصصة. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو حدود صلاحيات هؤلاء النواب مقارنة بالمحافظ نفسه، خصوصًا عندما يكون المحافظ من خلفية نظامية تميل إلى مركزية القرار والانضباط الهرمي.

 

تعيين نائبين لمحافظة القاهرة مثلًا، أحدهما الدكتور أحمد أنور عطية العدل والآخر عمر محمود الشافعي الأكرت، يرفع توقعات بتوزيع عمل حقيقي داخل العاصمة. لكن التوقعات وحدها لا تكفي. ما يهم هو: هل يمتلك نائب المحافظ أدوات قرار، أم يظل دوره “تنفيذيًا” تابعًا؟ وهل يُقاس نجاح المنصب بتحسين الخدمة للمواطن، أم بتسريع تسليم مشروعات محددة وفق جدول مركزي؟

 

القائمة تضم أيضًا الدكتورة أميرة يسن هيكل نائبًا لمحافظ الإسكندرية، والدكتور شادي يحيى المشد نائبًا لمحافظ البحيرة، والمهندس حسام الدين عبده نائبًا لمحافظ الغربية، والدكتور محمد علي جبر نائبًا لمحافظ المنيا، والدكتور محمد فوزي عبد الرحيم نائبًا لمحافظ دمياط. هذا التنوع قد يكون نقطة إيجابية إذا ارتبط بمؤشرات أداء وشفافية في المتابعة. لكنه يظل مهددًا إذا بقي القرار السياسي والإداري محصورًا في المحافظ وحده، خاصة مع هيمنة نمط اختيار المحافظين من خلفيات نظامية.

 

عسكرة المحافظين: أثر مباشر على الخدمات والمحاسبة والشفافية المحلية

 

الخطاب الرسمي يربط الحركة بملفات التنمية وتحسين الخدمات وجذب الاستثمارات. هذه ملفات تحتاج إدارة محلية تشاركية. تحتاج بيانات. وتحتاج تواصلًا مع المجتمع المحلي والقطاع الخاص. في المقابل، الاعتماد الواسع على قيادات عسكرية وأمنية في منصب المحافظ غالبًا ما يُترجم إلى أولوية “الانضباط” على “المشاركة”، وإلى تغليب منطق الأوامر على منطق الخدمة العامة، حتى إن كانت النوايا المعلنة هي التطوير.

 

القوائم المنشورة في النص تعطي مادة واضحة للنقاش دون قفزات. عند قراءة الأسماء، تتكرر الألقاب العسكرية “لواء” و“فريق” في مواقع شديدة التأثير مثل الإسكندرية وجنوب سيناء ومطروح وبورسعيد والسويس وأسيوط وسوهاج. هذا التكرار ليس تفصيلًا لغويًا. هو مؤشر على تفضيل نمط إدارة بعينه. نمط يُنظر إليه رسميًا باعتباره أكثر “حسمًا” في التنفيذ، لكن خصومه يرونه أكثر ميلًا لتقليص المساءلة الشعبية والمحلية.

 

المدافعون عن هذا النمط يشيرون عادةً إلى ملفات مثل الأمن، وضبط المخالفات، وسرعة إزالة التعديات، والانضباط في المشروعات. لكن النص نفسه يضع أولويات مختلفة: التنمية، الخدمات، جذب الاستثمارات، التحول الرقمي، التخطيط العمراني. هذه ليست ملفات أمنية في الأصل. هي ملفات إدارة عامة. وإذا استمر الاعتماد على محافظين من خلفيات نظامية بوصفهم الخيار الافتراضي، فإن السؤال يصبح عن كفاءة أدوات الإدارة المحلية المدنية في الدولة، ولماذا لا تُبنى مسارات واضحة لصعودها.

 

الحركة الحالية لا تتضمن آلية معلنة للاختيار، ولا معايير تقييم للأداء السابق، ولا مؤشرات واضحة لقياس نجاح المحافظين الراحلين أو المنقولين أو الجدد. لذلك، يتحول النقاش من “من هو المحافظ؟” إلى “كيف تُدار المنظومة؟”. بدون شفافية ومعايير، تصبح تغييرات واسعة في 21 محافظة مجرد تدوير من أعلى، حتى لو حملت أسماء جديدة. ومع غياب معايير مُعلنة، يصبح من الصعب على المواطن ربط التغيير بتحسن ملموس في الخدمة.

 

الخلاصة أن أداء اليمين في الاتحادية يعلن بداية دورة تنفيذية جديدة في المحافظات، لكنه لا يبدل قواعد اللعبة. القوائم تكشف استمرار الثقل العسكري في منصب المحافظ، مع إدخال نواب ذوي خلفيات أكاديمية وفنية لمساندة التنفيذ. هذا الترتيب قد ينجح إذا كان هدفه توزيع العمل الحقيقي وتحسين الخدمة، وقد يفشل إذا تحول إلى واجهة مدنية لمنظومة قرار مركزية تُدار بالعقلية نفسها. الحكم في النهاية سيكون على الأرض: خدمة أفضل، شفافية أعلى، ومحاسبة محلية فعلية، لا مجرد حركة أسماء جديدة.