أدرج صندوق النقد الدولي مصر على جدول اجتماعات مجلسه التنفيذي يوم 25 فبراير لاعتماد المراجعتين الخامسة والسادسة من برنامج التمويل الممدد، إضافة إلى المراجعة الأولى ضمن تسهيل المرونة والاستدامة. القرار، إذا اعتمد، يفتح الباب لصرف نحو 2.3 مليار دولار للقاهرة؛ منها 2 مليار دولار من القرض و300 مليون دولار من برنامج المرونة والاستدامة. هذا التطور يأتي بينما السؤال الأكبر لا يتغير: ما حجم الدَّين الحقيقي الذي تعيشه الدولة، ومن سيدفع كلفته، وكيف سينعكس ذلك على الأسعار ومعيشة الناس الآن ولاحقًا.

 

صندوق النقد يقرّب الدفعة.. و”التزام كامل” يرفع سقف الشروط

 

إدراج مصر على جدول المجلس التنفيذي يعني أن ملف المراجعات بات في مرحلة الحسم المؤسسي، لا مجرد مفاوضات فنية. الحديث هنا عن اعتماد مراجعتين دفعة واحدة من برنامج التمويل الممدد، وهو ما يوحي بتسريع المسار مقابل احتياج واضح للتمويل. حجم الدفعة المنتظرة 2.3 مليار دولار يمنح الحكومة متنفسًا بالدولار، لكنه في الوقت نفسه يضع السياسة الاقتصادية تحت مجهر الصندوق، لأن كل دفعة تُقرأ باعتبارها ثمرة “التزام” وليس منحة.

 

المديرة العامة للصندوق كريستالينا جورغييفا قالت إن المبلغ يعكس “التزام الحكومة المصرية الكامل ببرنامج الإصلاح”، وإن نجاح التنفيذ قد يدفع إلى مزيد من التعاون مستقبلًا. هذه العبارة لا تمر كإطراء بروتوكولي فقط. هي صياغة تربط التمويل بسلوك الحكومة. كلما زاد “التعاون”، زادت الحاجة لإثبات الالتزام عبر قرارات مالية ونقدية وهيكلية. هنا تتسع المفارقة: التمويل الذي يخفف الضغط الفوري، قد يفتح باب التزامات أشد على المدى القصير.

 

في الخلفية، لا يقدم النص أرقامًا نهائية عن إجمالي الدَّين، لكنه يثبت اتجاهًا واضحًا: نسب الدين مرتفعة، ومحاولات خفضها “تدريجيًا” معلنة ضمن برنامج الإصلاح. وبينما تتحدث الحكومة عن خفض نسبة الدين للناتج المحلي الإجمالي، تظل المديونية “كبيرة” وتستنزف موارد الموازنة. هذا الاستنزاف هو ما يحوّل كل دفعة جديدة إلى “مسكن” مؤقت إذا لم تتغير المعادلة الأساسية التي تولّد العجز والحاجة للعملة الأجنبية.

 

الدَّين الحقيقي: أرقام رسمية مرتفعة واحتياج مزمن للنقد الأجنبي

 

الحديث عن “الدَّين الحقيقي” لا يعني رقمًا واحدًا فقط، بل شبكة التزامات داخلية وخارجية، وخدمة دين تلتهم جزءًا معتبرًا من الإنفاق العام. النص يشير إلى أن مصر ما زالت في حاجة إلى موارد كبيرة من النقد الأجنبي لسد العجز وتمويل استيراد السلع الأساسية والخدمات. هذه نقطة مفتاحية، لأنها تفسر لماذا يعود مسار الاتفاقيات التمويلية الدولية كلما ضاق هامش الدولار، حتى لو أعلنت الحكومة تقدمًا في خفض النسب.

 

الخبير الاقتصادي عبد الحافظ الصاوي يصف أزمة الديون بأنها “خانقة” ويعيدها إلى فشل السياسات الاقتصادية المتبعة، مع اعتبار التوسع في الاقتراض المحلي والخارجي جرى دون استراتيجية واضحة أو أهداف تنموية حقيقية. الصاوي يضيف أن الديون قد تؤثر سلبًا على الموارد المستقبلية، وقد تُستغل من الدائنين مع ضعف موقف مصر التفاوضي. هذه القراءة تضع الدفعة القادمة في سياق مخيف: المال يدخل اليوم، لكن فاتورته تمتد إلى ميزانيات لاحقة وقد تتحول إلى ضغط على الأصول والقرار الاقتصادي.

 

في المقابل، يتعامل ممدوح الولي مع المسألة من زاوية “الأثر على المواطن”. النص يذكر أنه لا توجد تصريحات مباشرة له عن قرض الصندوق الأخير تحديدًا، لكنه يشكك في التأثير الفعلي للإصلاحات على حياة المواطن العادي. الولي يركز على أن النمو وحده لا يكفي إذا لم يصل إلى تحسين الخدمات ورفع مستوى المعيشة، وأن جزءًا من النمو قد يذهب لقطاعات محدودة دون انعكاس إيجابي كافٍ على الأسعار أو الدخول الحقيقية. بهذه الزاوية، تصبح أي مراجعات ناجحة بلا جدوى سياسية إذا ظل المواطن يدفع ثمنها دون عائد ملموس.

 

أما مصطفى عبد السلام، فالنص يقول إن تصريحات أو كتابات مباشرة له حول الدين وتأثيره على المعيشة أو السياسات الاقتصادية “لم ترد في نتائج البحث الحالية”. ومع ذلك، يضيف النص أن خبراء آخرين يرون أن الاعتماد المتزايد على التمويل الخارجي يرتبط بتوجيهات إصلاح هيكلي قد تضغط على الدعم والإنفاق الاجتماعي ما لم تقترن بخطط نمو شاملة. هذه الفقرة مهمة لأنها تضع تحذيرًا عمليًا: المشكلة ليست في قرض واحد، بل في نمط تمويل قد يعيد تشكيل بنود إنفاق أساسية تمس حياة الناس.

 

من يدفع الفاتورة: خدمة الدين تُزاحم الصحة والتعليم.. والأسعار مرشحة للارتفاع

 

السؤال “من سيتحمل عبء الدين؟” لا يحتاج تنظيرًا طويلًا. النص يحدد آلية التحميل: الدين يتحول إلى عبء على الميزانية في المستقبل، وتؤثر التزامات السداد وخدمة الدين على قدرة الدولة على تخصيص موارد كافية للصحة والتعليم والدعم الاجتماعي. أي أن الفاتورة لا تظهر فقط في سعر سلعة، بل في تراجع جودة خدمات أو تقلص دعم أو تأخير استثمارات اجتماعية. هذا هو الشكل الأكثر قسوة للدَّين عندما يصبح مزمنًا.

 

الديون الخارجية تضيف طبقة أخطر. لأنها تتطلب سدادًا بالنقد الأجنبي، ما يزيد الضغط على احتياطيات الدولة ويؤثر على سعر العملة، وبالتالي على أسعار السلع المستوردة. هذه سلسلة سببية قصيرة وواضحة: دولار السداد يضغط على الجنيه، الجنيه الأضعف يرفع فاتورة الاستيراد، الاستيراد الأغلى يرفع الأسعار. وفي اقتصاد يعتمد على الاستيراد في مكونات واسعة من الغذاء والسلع الوسيطة، لا يمكن فصل “برنامج تمويل” عن “سوبر ماركت” المواطن.

 

النص يلفت إلى أن اتفاقيات صندوق النقد غالبًا ما تتضمن إصلاحات هيكلية تشمل ضبط المالية العامة وتقليص الدعم غير المستهدف وتحرير أسعار بعض السلع. هذا لا يعني أن كل بند سينفذ فورًا، لكنه يعني أن الاتجاه العام يميل إلى تقليل الإنفاق والدعم وتحرير الأسعار، وهو ما ينعكس عادة في زيادة كلفة المعيشة على المدى القصير، حتى لو قُدّم كطريق لاستقرار أوسع. كلمة “قصير” هنا لا تعني أيامًا، بل دورة ممتدة يشعر بها الناس في الوقود والكهرباء والنقل.

 

ضمن هذه الزاوية، يبرز طرح يمكن نسبه إلى مدارس تحليلية لدى اقتصاديين معروفين مثل د. سالي صلاح ود. عالية المهدي ود. مراد علي: تركيز على توزيع أعباء الإصلاح وعدالة الحماية الاجتماعية، وعلى أن تحويل الإصلاح إلى أرقام عجز ونسب دين فقط قد ينجح على الورق ويفشل اجتماعيًا. جوهر هذا المنطق يتسق مع السؤال الذي طرحه النص نفسه: كيف يؤثر الدين على معيشة المواطنين وأسعار السلع في الوقت الراهن والمستقبل، ومن يتحمل التبعات عندما تُزاحم خدمة الدين الإنفاق الاجتماعي.

 

وفي تقدير “تأثير محتمل على المعيشة وأسعار السلع”، يذكر النص أن ربط الأسعار بالعوامل الدولية قد يرفع تكلفة السلع الأساسية والكهرباء والوقود، ما يضغط مباشرة على القوة الشرائية للأسر، خصوصًا الطبقات الفقيرة والمتوسطة. هذه ليست فرضية بعيدة. هي مسار منطقي لأي تحرير تدريجي للأسعار مع بقاء الدخول الحقيقية تحت الضغط. لذلك يصبح اعتماد المراجعات وصرف 2.3 مليار دولار خبرًا اقتصاديًا كبيرًا، لكنه لا يجيب وحده عن سؤال: هل سيخف الغلاء أم سيُدار بطريقة تُرحّل تكلفته للمستهلك؟

 

الخلاصة التي يرسمها النص واضحة وقاسية. إدراج مصر على جدول 25 فبراير يقرّب الدفعة ويمنح سيولة، لكنه لا يلغي أزمة دين كبيرة تستنزف الموازنة وتحتاج دولارًا مستمرًا. عبد الحافظ الصاوي يحذر من “خنق” الديون وضعف الاستراتيجية. ممدوح الولي يشكك في وصول أثر الإصلاح للمواطن. وغياب رصد مباشر لموقف مصطفى عبد السلام في هذا السياق لا يمنع الإشارة إلى التحذير العام من ضغط الإصلاح على الدعم. وفي قلب كل ذلك يبقى السؤال الذي لا يسقط بالتقارير: من سيدفع الثمن، وبأي صورة، وفي أي سلع وخدمات سيظهر أولًا.