تكررت خلال الأيام الماضية أزمة فرض رسوم على أجهزة موبايل تُعد “معفاة بالأساس”، بحسب مصدر مطلع على ملف الرسوم الجمركية في وزارة الاتصالات. المصدر أرجع ما حدث إلى أخطاء في النظام الإلكتروني المعمول به حاليًا. وقال إن الوزارة بدأت مراجعة يدوية لجميع الشكاوى والتظلمات المقدمة من المواطنين، بهدف معالجة الحالات وتشغيل الأجهزة المتضررة فورًا. تكرار الواقعة يضع النظام نفسه في موضع الاتهام، لا المستخدمين الذين تلقوا رسائل مطالبة بالسداد رغم عدم انطباق المعايير عليهم.

 

قرار 2025 والرسوم 38.5%: قواعد واضحة وتنفيذ مُرتبك

 

في يناير/كانون الثاني الماضي بدأت الحكومة تطبيق رسوم جمركية على الموبايلات المستوردة التي جرى تشغيلها بدءًا من 2025. الرسوم بلغت 38.5% من قيمة الجهاز، سواء كان للاستخدام الشخصي أو التجاري. القاعدة تضمنت استثناءً واحدًا فقط: إعفاء جهاز واحد للاستعمال الشخصي كل 3 سنوات. على الورق تبدو القواعد محددة، لكن التطبيق على الشبكات وفي الرسائل التحذيرية كشف خللًا متكررًا في تمييز “المستحق” من “المعفى”.

 

بعد القرار، تلقى مواطنون لا تنطبق عليهم معايير الرسوم رسائل تحذيرية نهاية يوليو/تموز الماضي تطالبهم بالسداد. أربعة مصادر في اتحاد الغرف التجارية أكدوا ذلك في تصريحات سابقة. ومصدر بالوزارة قال وقتها إن بعض الرسائل وصلتهم “بخطأ في النظام”. تكرار نفس الجملة الآن، مع اعتراف جديد بأن الأزمة تكررت، يجعل الخطأ أقرب إلى نمط تشغيل لا حادثة عابرة، ويزيد من كلفة الارتباك على المستهلك الذي يُفاجأ بتعطيل جهازه أو تهديده بالسداد.

 

يرى المهندس وليد رمضان، نائب رئيس شعبة الاتصالات والمحمول باتحاد الغرف التجارية، أن السوق لا يحتمل رسائل متضاربة حول الرسوم والضرائب، لأن أي لبس في القواعد يدفع الناس إلى قرارات شراء غير منضبطة ويعمّق فجوة الثقة بين المستهلك والتاجر والجهات المنظمة. ويرى أن المطلوب هو وضوح كامل في التعريفات، وتوقيتات الإعفاء، وطريقة الاعتراض، بدل ترك المواطن يكتشف الخطأ بعد تعطيل جهازه أو تلقي إنذار مفاجئ.

 

إعفاءات تتبدل ثم تنتهي: قرارات متلاحقة والنتيجة أزمة ثقة

 

تطورات الأشهر الماضية لم تقتصر على الرسائل الخاطئة. الحكومة اضطرت في نهاية سبتمبر/أيلول الماضي لاتخاذ خطوة استثنائية: إعفاء حاملي جوازات السفر المصرية من الرسوم، ومنح حاملي الجوازات الأجنبية إعفاءً مؤقتًا لمدة 3 أشهر. هذا القرار عكس أن الأزمة لم تكن فردية، بل اتسعت بما يكفي ليتطلب “تصحيحًا” على مستوى القاعدة. لكنه لم يُنهِ المشكلة، لأن الإعفاء المؤقت انتهى لاحقًا.

 

الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات أعلن انتهاء فترة الإعفاء اعتبارًا من 21 يناير الماضي. إنهاء الإعفاء أعاد الملف إلى نقطة الاختبار: هل أصبح النظام قادرًا على تطبيق القواعد بدقة؟ الإجابة التي يقدمها المصدر المطلع الآن سلبية جزئيًا. النظام لا يزال يخطئ. والمواطنون الذين يفترض أنهم “معفيون” قد تُرسل لهم مطالبات، ثم يطلب منهم تقديم شكاوى لإثبات ما يفترض أن النظام يعرفه من الأساس.

 

هذه الدائرة تُنتج ضررًا مزدوجًا. الضرر الأول مالي ومعنوي على المواطن الذي يجد نفسه مطالبًا برسوم كبيرة أو مهددًا بتعطيل جهازه دون سند واضح. الضرر الثاني إداري على الحكومة نفسها، لأن كل خطأ يولد موجة تظلمات جديدة، ثم يتحول الجهاز التنفيذي إلى غرفة طوارئ لإطفاء آثار النظام بدل تطويره. وفي سوق سريع الدوران مثل سوق الموبايلات، أي اضطراب في القواعد يتحول بسرعة إلى شائعات ومخاوف ثم سلوك شراء دفاعي.

 

يرى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات أن ضبط السوق يحتاج أدوات رقمية قادرة على التحقق والتتبع، لكن ما يحدث الآن يبين أن الرقمنة دون تصميم دقيق قد تنقل الأزمة من الطابور الورقي إلى الرسالة النصية. ويرى أن استقرار القواعد التنفيذية أهم من الإعلان عنها، لأن القاعدة التي لا تُطبق بعدالة تصبح عبئًا سياسيًا واقتصاديًا حتى لو كانت مكتوبة بوضوح. وفي هذه الحالة، الرسالة التحذيرية الخاطئة تُعامل المواطن كمدين قبل أن تُعامل النظام كمسؤول عن الخطأ.

 

“النظام لا يميز القديم من الجديد”: جوهر الخلل وشكاوى كحل مؤقت

 

المصدر المطلع على ملف الرسوم يشرح جوهر الخلل بصيغة مباشرة. النظام الإلكتروني الحالي يواجه صعوبة في التمييز بين الموبايلات الجديدة والقديمة التي تدخل مصر. القاعدة الأساسية كما يوردها: الموبايل الذي جرى تسجيله وتشغيله قبل سريان قرار فرض الرسوم في 2025 يُعد معفيًا من الضريبة بالأساس. المشكلة تبدأ عندما يغادر الجهاز البلاد عدة أشهر ثم يعود، فيتعامل النظام معه كأنه جهاز جديد يدخل على الشبكة لأول مرة.

 

هذا التفسير يوضح لماذا تُصاب فئات محددة بالضرر أكثر من غيرها. المسافرون، أو من يستخدمون نفس الجهاز مع تنقلات خارجية، قد يجدون أنفسهم فجأة في خانة “الاستحقاق” رغم أن الجهاز قديم ومُشغّل قبل 2025. هنا يتحول التعريف القانوني للإعفاء إلى معركة إثبات تقنية. المواطن يُطالب بالشكوى لإعادة تشغيل جهاز كان يعمل بالفعل. والوزارة تتجه إلى مراجعة يدوية لإصلاح ما لم يستطع النظام إصلاحه تلقائيًا.

 

المصدر يعترف بأن الحل يحتاج وقتًا. ويقول إن “أي نظام جديد تظهر به أخطاء يتم تداركها تدريجيًا”، وإن كل إصلاح يحتاج فترة لاختبار فعاليته وما إذا كان يجب التدخل لاستكمال الإصلاحات من عدمه. هذه لغة إدارة أزمة، لا لغة سياسة مستقرة. لأن المواطنين لا يطلبون “وعدًا بتحسن تدريجي” بينما جهازهم معطل أو مهدد برسوم 38.5%. هم يطلبون قاعدة تعمل فورًا، أو آلية تصحيح سريعة ومضمونة قبل التعطيل لا بعده.

 

لذلك دعا المصدر المواطنين المتضررين إلى التقدم بشكاوى رسمية، حتى تتمكن الوزارة والجهاز من مراجعتها وإعفاء الموبايلات التي ثبت تشغيلها داخل السوق المصرية قبل عام 2025 من الرسوم. لكن الاعتماد على الشكاوى كمسار أساسي يعني عمليًا أن النظام يترك الخطأ يقع ثم يعالجه لاحقًا. وهذا يرفع التكلفة على المواطن وعلى الدولة معًا. كما يفتح الباب لتفاوت في السرعة بين حالة وأخرى، حسب الاستجابة، وحسب ضغط الملفات، وحسب وضوح البيانات.