يحلّل الكاتب مصطفى حسني تداعيات حكم المحكمة الدستورية العليا الذي أبطل قراراً صادراً عام 2023 عن هيئة الدواء المصرية بإعادة تصنيف بعض العقاقير الخاضعة لقانون مكافحة المخدرات، مؤكداً أن سلطة إصدار جداول التصنيف تظل بيد وزير الصحة وحده، لا رئيس الهيئة.

 

توضح مدى مصر أن الحكم أعاد إشعال نقاش قديم حول تداخل الصلاحيات داخل قطاع الدواء في مصر، وفتح الباب أمام آثار قانونية واسعة قد تمس آلاف القضايا الجنائية الجارية أو التي صدرت فيها أحكام.


زلزال تشريعي وتداعيات فورية

 


قضت المحكمة الدستورية ببطلان قرار أصدره رئيس هيئة الدواء المصرية عصام تامر، رفع بموجبه تصنيف الميثامفيتامين ومخدرات صناعية أخرى إلى الفئة الأشد، ما جعل المتورطين في تصنيعها أو تداولها أو حيازتها عرضة لأقصى العقوبات المنصوص عليها في قانون المواد المخدرة. ورأت المحكمة أن قانون إنشاء هيئة الدواء عام 2019 لا يمنح رئيسها صراحة سلطة تعديل جداول التصنيف الملحقة بقانون مكافحة المخدرات.


وصف قضاة ومحامون الحكم بأنه «زلزال تشريعي»، لأن نشره في الجريدة الرسمية يبطل—بحكم القانون—الأحكام التي استندت إلى الجداول الصادرة عن الهيئة، وفق المادة 49 من قانون المحكمة الدستورية. وأوضح محامون أن هذا المسار قد يقود إلى تبرئة آلاف المحكوم عليهم في قضايا حيازة أو اتجار بالعقاقير التي شملها قرار 2023، حيث تراوحت العقوبات بين عام واحد والسجن المؤبد.


فرض الحكم أيضاً واقعاً إجرائياً جديداً على المحاكم، إذ سيتعين عليها خلال الأشهر المقبلة تحديد كيفية تطبيق القرار على القضايا المنظورة بمراحلها المختلفة، من التحقيق إلى الفصل النهائي.


سباق لتفادي فراغ قانوني

 


استدعى النائب العام اجتماعاً عاجلاً ضم مستشارين وممثلين عن وزارتي الصحة والداخلية، وهيئة الدواء، وصندوق مكافحة وعلاج الإدمان، وجهات أخرى معنية، بهدف تقييم أثر الحكم على مسار قضايا المخدرات. وسعى الاجتماع إلى تنسيق الاستجابة المؤسسية ومنع ارتباك التطبيق.


ألزم الحكم وزير الصحة باتخاذ إجراء سريع لإصدار جداول تصنيف جديدة، تفادياً لفراغ قانوني قد يتيح الاتجار أو التعاطي دون مساءلة. وبالفعل، أصدر الوزير قراراً في اليوم التالي بالجداول البديلة، التي جاءت مطابقة للجداول الملغاة. وفي موازاة ذلك، أعلن نائب رئيس لجنة الصحة في مجلس النواب عن اجتماع عاجل للجنة لإدخال تعديلات على قانون مكافحة المخدرات رقم 182 لسنة 1960، بما يحسم مسألة الاختصاص ويمنع تكرار الإشكال.


أصل النزاع: من يملك سلطة التصنيف؟

 


نشأ النزاع الدستوري من قضية جنائية بمحكمة جنايات سوهاج، أدانت متهماً بحيازة غير مقصودة للميثامفيتامين، وقضت بحبسه ثلاث سنوات وتغريمه خمسين ألف جنيه. طعن الدفاع على الحكم لأسباب تتعلق بسلامة التسبيب والإجراءات، بينما طعنت النيابة لأن العقوبة جاءت أدنى من الحد الأدنى بعد رفع تصنيف المخدر إلى الفئة الأشد بقرار 2023.


أحالت محكمة النقض الطعن إلى المحكمة الدستورية للفصل في مدى دستورية سلطة رئيس هيئة الدواء في تعديل الجداول. وأشارت الإحالة إلى أن قانون 2019 استبدل وزارة الصحة بالهيئة في تنظيم ممارسة الصيدلة والرقابة على تسجيل وتداول المنتجات الدوائية، لكنه لم ينص صراحة على نقل سلطة تعديل جداول المخدرات.


أوصت هيئة مفوضي المحكمة الدستورية—في تقرير اطلع عليه موقع مدى مصر—برفض الطعن، معتبرة أن الولاية الواسعة للهيئة على تنظيم وتسجيل وتداول وضبط المنتجات الطبية، بما فيها المخدرات، تفيد ضمناً نقل سلطة تعديل التصنيف. غير أن المحكمة رفضت هذا التأويل، وانحازت إلى رأي محكمة النقض القائل بعدم اختصاص الهيئة بإعادة التصنيف.


حوكمة الدواء وصراع الصلاحيات

 


يتجاوز الحكم مسألة تقنية ليكشف صراعاً أوسع على حوكمة الدواء. يرى باحث في سياسات الصحة أن وزارة الصحة تتمسك ببعض الملفات للحفاظ على «ميزة سياسية» داخل قطاع تتوزع فيه السلطات بين الوزارة والهيئة. يذكر الباحث مثال «قائمة الأدوية الأساسية» التي ظلت تحت سيطرة الوزارة رغم إنشاء الهيئة، ويرجح أن الوزارة لن تتخلى عنها لما تمنحه من نفوذ.


تعود جذور الخلاف إلى ما بعد إنشاء الهيئة، حين ثار سؤال: من يملك حق تعديل جداول المخدرات؟ تقول مصادر داخل الهيئة إن الخلاف لم يكن حول ضرورة التحديث، إذ تشكل المخدرات المصنعة معملياً تهديداً متصاعداً، وتستدعي تعديلات مستمرة لملاحقة تطورات كيميائية تهدف إلى الالتفاف على التجريم. دار الخلاف، وفق هذه المصادر، حول الجهة المخولة قانوناً بالتعديل.


سبق أن نظر القضاء الإداري في عام 2013 مسألة قريبة، ومال رأيه حينها إلى اعتبار أن التفويض الواسع الممنوح للهيئة يشمل صلاحيات الوزير، بما فيها تعديل الجداول. واستناداً إلى ذلك، واصلت الهيئة إصدار تعديلات بالتنسيق مع لجنة ثلاثية من وزارات الصحة والعدل والداخلية، وبلغت ذروة هذه التعديلات في 2023 حين ألغى رئيس الهيئة الجداول السابقة وأصدر أخرى جديدة.


ألغى حكم الدستورية هذا الترتيب، وأعاد سلطة التصنيف إلى وزير الصحة. ومع ذلك، نفى مسؤول بوزارة الصحة وجود «صراع» مع الهيئة، مؤكداً أن الوزارة لم تعترض على تعديلات سابقة، وأن دور الهيئة تقني، بينما يصدر الوزير القرار النهائي.

 

يحسم الحكم مؤقتاً سؤال الاختصاص لصالح وزارة الصحة، لكنه يسلّط الضوء على تداخلات عميقة في حوكمة الدواء. يتطلب الاستقرار التشريعي تعديلاً واضحاً للقانون يحدد الصلاحيات بدقة، حتى لا تتحول مكافحة المخدرات إلى ساحة ارتباك قانوني، ولا تُترك العدالة رهينة تأويلات متغيرة.

 

https://www.madamasr.com/en/2026/02/19/news/u/who-oversees-egypts-controlled-drugs-constitutional-court-ruling-reignites-question-over-health-sector-powers/