أظهر استطلاع رأي جديد في إسرائيل استمرار تقدّم أحزاب المعارضة على كتلة الائتلاف الحاكم بقيادة بنيامين نتنياهو، بحصولها على 60 مقعدًا مقابل 50 مقعدًا للائتلاف، و10 مقاعد للنواب العرب، في توزيع يمنح معسكر خصوم نتنياهو أفضلية واضحة في حال إجراء انتخابات مبكرة، بينما يواصل رئيس الوزراء رفض الدعوة لصناديق الاقتراع في ظل ملفات فساد مفتوحة ومذكرات توقيف دولية وحرب مستمرة على غزة منذ 8 أكتوبر 2023.
تقدم ثابت للمعارضة وتراجع كتلة نتنياهو رغم صمود اليمين
الاستطلاع، الذي أجراه معهد “لازار” لصالح صحيفة “معاريف” العبرية، شمل عينة من 501 إسرائيلي، بهامش خطأ يبلغ 4.4%، وأعاد إنتاج خريطة سبق أن رصدتها الصحيفة قبل أسبوع تقريبًا، مع ثبات تقدم المعارضة عند 60 مقعدًا، مقابل 50 لكتلة نتنياهو، و10 مقاعد للقوائم العربية، ما يشير إلى استقرار نسبي في اتجاهات الرأي العام وعدم حدوث ارتداد لصالح الائتلاف خلال الأسابيع الماضية.
بحسب النتائج التفصيلية الواردة، يتصدر حزب “بينيت 2026” اليميني معسكر المعارضة بحصوله على 20 مقعدًا، يليه حزب “يشار” الوسطي بـ13 مقعدًا، ثم حزب “الديمقراطيين” الوسطي بـ11 مقعدًا، بينما يحصل حزب “إسرائيل بيتنا” اليميني على 8 مقاعد، وحزب “هناك مستقبل” الوسطي على 8 مقاعد أخرى، في توزيع يعكس تنوعًا أيديولوجيًا داخل المعارضة، لكنه لا يلغي قدرتها العددية على تشكيل كتلة مانعة في مواجهة نتنياهو.
في المقابل، تحصل كتلة الائتلاف الحاكم على 50 مقعدًا فقط، يتصدرها حزب “الليكود” بـ26 مقعدًا، يليه حزب “القوة اليهودية” اليميني المتطرف بـ9 مقاعد، ثم حزب “شاس” الديني بـ8 مقاعد، وحزب “يهدوت هتوراه” بـ7 مقاعد، بينما يفشل حزب “الصهيونية الدينية” بقيادة وزير المالية بتسلئيل سموتريتش في تجاوز نسبة الحسم، كما لا ينجح حزب “أزرق أبيض” برئاسة بيني غانتس في دخول الكنيست، في مؤشر إضافي على إعادة تشكيل الخارطة داخل المعسكرين.
تحالف الجبهة الديمقراطية والقائمة العربية للتغيير يحصل، وفق النتائج نفسها، على 5 مقاعد، بينما تحصد القائمة العربية الموحدة برئاسة منصور عباس 5 مقاعد أخرى، ليصل تمثيل النواب العرب إلى 10 مقاعد، ما يمنحهم مجددًا موقع “بيضة القبان” المحتملة في أي سيناريو لتشكيل حكومة مقبلة، إذا ما تقاطعت المواقف مع أحد المعسكرين، أو اختاروا البقاء في موقع معارضة مستقلة تضغط من خارج الحكومة.
الحرب على غزة ومذكرات التوقيف الدولية تضرب صورة نتنياهو
الاستطلاع يأتي في سياق داخلي وإقليمي بالغ الحساسية؛ الحرب على غزة دخلت عامها الثاني، مع خسائر بشرية كبيرة وأضرار واسعة في البنية التحتية، بينما يواجه نتنياهو ضغوطًا غير مسبوقة على خلفية إدارة الحرب وتداعياتها، ليس فقط على الصعيد العسكري، بل أيضًا على مستوى علاقات إسرائيل الدولية، بعد أن أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في 21 نوفمبر 2024 مذكرتي توقيف بحقه وبحق وزير الدفاع السابق يوآف غالانت بتهم تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة.
خبيرة استطلاعات الرأي الإسرائيلية د. داليا شيندلين تشير، في تحليلات منشورة لها خلال 2024 و2025، إلى مفارقة لافتة في المزاج العام؛ إذ يحتفظ جزء كبير من الإسرائيليين بدعم للعمليات العسكرية في غزة، لكنه في الوقت نفسه فقد الثقة في حكومة نتنياهو، ويميل إلى تفضيل قيادة سياسية جديدة، وهو ما ينسجم مع اتجاهات استطلاعات متكررة تظهر أفضلية واضحة لمعسكر المعارضة على حساب أحزاب الائتلاف الحاكم.
من زاوية أخرى، ترى عالمة السياسة د. غايل تالشير من الجامعة العبرية في القدس أن بنية النظام الحزبي الإسرائيلي تعيش أزمة شرعية ممتدة، وأن اعتماد حكومة نتنياهو على أحزاب يمينية متشددة يجعلها أكثر هشاشة أمام أي تحوّل في المزاج الشعبي أو انشقاق داخل الائتلاف، وتربط بين موجات الاحتجاج الواسعة منذ 2023، والنقاش العام حول التجنيد الإلزامي لليهود المتدينين، وبين تصاعد المطالب بانتخابات مبكرة، وتزايد القناعة بأن استمرار الحكومة الحالية يفاقم التآكل الديمقراطي.
هذه الصورة تتعقد أكثر مع استمرار محاكمة نتنياهو في ثلاث قضايا فساد معروفة إعلاميًا بملفات 1000 و2000 و4000، تتضمن اتهامات بالرشوة والاحتيال وإساءة الأمانة، في سابقة هي الأولى من نوعها لرئيس وزراء في منصبه، وهو ما دفع بعض خصومه إلى اتهامه بالسعي لتأجيل الانتخابات والتمسك بالمنصب لأطول فترة ممكنة، لتأمين مظلة سياسية في مواجهة المسارات القضائية الداخلية والدولية المتزامنة.
معركة الانتخابات المبكرة وحدّ الـ61 مقعدًا وصراع البقاء السياسي
القانون الإسرائيلي يشترط حصول أي حكومة على ثقة 61 عضوًا على الأقل من أصل 120 في الكنيست، ما يجعل معسكر المعارضة عند عتبة الـ60 مقعدًا قريبًا جدًا من القدرة النظرية على تشكيل حكومة بمساندة النواب العرب، أو على الأقل تعطيل أي محاولة من نتنياهو لإعادة إنتاج ائتلاف مستقر، في حين تبقى كتلة الائتلاف الحالية عند 50 مقعدًا فقط، أي أقل من الأغلبية المطلوبة بفارق واضح، رغم تماسك جزء من القاعدة اليمينية حول الليكود وحلفائه.
ورغم أن موعد الانتخابات العامة المقبلة، في حال عدم حل الكنيست مبكرًا، مقرر في أكتوبر المقبل، فإن استطلاعات متعددة أظهرت، خلال 2024 و2025، أن نسبة كبيرة من الإسرائيليين تفضّل تبكير الانتخابات وعدم الانتظار حتى نهاية الدورة الحالية، في ظل شعور واسع بعدم الثقة بالحكومة الراهنة، واتهامات متكررة لها بالفشل في إدارة الحرب والملف الداخلي معًا، وهو ما يجعل كل استطلاع جديد يكرّس أفضلية المعارضة عامل ضغط إضافي على نتنياهو.
الخبير الأميركي في مجلس العلاقات الخارجية ستيفن إيه. كوك يلفت، في قراءة حديثة للمشهد الإسرائيلي، إلى أن استطلاعات الرأي توحي بأن شعبية نتنياهو في مسار هابط، وأن ائتلافه يمكن أن يخسر الانتخابات المقبلة إذا أجريت في ظل المعطيات الحالية، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن رئيس الوزراء ما زال يحاول كسب الوقت، عبر إدارة ملفات مثل التجنيد للمتدينين والميزانية والحرب في غزة، بطريقة تؤخر لحظة الاحتكام لصناديق الاقتراع قدر الإمكان.
في ظل هذه المعادلة، يبدو استطلاع “لازار–معاريف” الجديد استمرارًا لاتجاه أوسع لا يقتصر على قياس عابر، بل يعكس تآكل رصيد ائتلاف نتنياهو، وتقدمًا متماسكًا للأحزاب المعارضة مجتمعة، مع حضور عربي لا يمكن تجاهله في حسابات الأغلبية، بينما يظل السؤال المركزي مطروحًا: هل تُفرض انتخابات مبكرة تحت ضغط الشارع والاستطلاعات والملفات القضائية، أم ينجح نتنياهو مرة أخرى في تأجيل الاستحقاق، والرهان على تحوّل جديد في المزاج العام قبل أكتوبر المقبل؟

