أثار القرار الوزاري رقم 234 لسنة 2025، الصادر عن وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني، والقاضي بإلغاء مادة الأحياء للصف الثاني الثانوي "الشعبة العلمية" واستبدالها بالتاريخ بداية من العام الدراسي 2025/2026، موجة واسعة من الغضب والرفض داخل الأوساط التعليمية والأسر والطلاب، خاصة مع اعتراف الوزارة نفسها لاحقًا بإعادة توزيع محتوى الأحياء ليُحشر في الصف الثالث الثانوي بدءًا من 2026/2027، مع إضافة مادة "التاريخ الوطني" للصف الثاني ودمج أجزاء من الأحياء ضمن مادة جديدة للعلوم المتكاملة، في صورة تعكس تخبطًا واضحًا في إدارة المناهج وغياب رؤية تربوية مستقرة.
إلغاء الأحياء واستبدالها بالتاريخ.. تفريغ ممنهج للشعبة العلمية تحت شعار "التخفيف"
قراريْ 138 لسنة 2024 و234 لسنة 2025 أعادا رسم خريطة مواد المرحلة الثانوية، حيث نص الأخير صراحة على إلغاء مادة الأحياء للصف الثاني الثانوي للشعبة العلمية واستبدالها بالتاريخ، مع بدء التطبيق من العام الدراسي 2025/2026، وهو ما أكدته بيانات رسمية وتصريحات منشورة للوزارة، ثم جرى تسويقه إعلاميًا باعتباره "تطويرًا" للمنظومة وتوسيعًا لقاعدة المعرفة التاريخية لدى طلاب العلمي، في الوقت الذي يرى فيه المتخصصون أن الأحياء ليست مادة تكميلية يمكن التضحية بها بهذه السهولة.
الوزارة حاولت لاحقًا احتواء الغضب عبر نفي "إلغاء الأحياء" من المرحلة بالكامل، والإعلان عن تعديل منهج الصف الثالث الثانوي بدءًا من 2026/2027 ليشمل موضوعات من الصفين الأول والثاني، مع دمج أجزاء من الأحياء ضمن "العلوم المتكاملة"، وإضافة مادة التاريخ الوطني كمادة أساسية للصف الثاني، إلا أن جوهر الإشكال لم يتغير؛ فطلاب الشعبة العلمية لن يدرسوا الأحياء كمنهج مستقل في الصف الثاني، وسيواجهون منهجًا مضغوطًا وثقيلاً في الصف الثالث يحاول تعويض فجوة سنة كاملة أُفرغت من مادة أساسية للطب والعلوم البيولوجية.
الأكاديمي والخبير الاقتصادي د. محمود وهبة وصف هذا المسار بأنه نموذج صارخ لتدهور الأمم؛ فالأحياء – من وجهة نظره – هي البوابة الطبيعية لدراسة الطب والخدمات الصحية وفهم ثورة البيولوجيا الحديثة في القرن الحالي، من زرع الأعضاء إلى علاج الخلايا وزرع الشرائح بالمخ والهندسة الوراثية، معتبرًا أن ترك مصير مادة بهذه الأهمية لقرار إداري يصدر من "جاهل مزوِّر يحدد برامج التعليم في مصر" – حسب تعبيره – يعني إفساد أجيال كاملة وقطع صلتها بالتطور العلمي العالمي.
الانتقاد لم يتوقف عند جوهر القرار، بل امتد إلى طريقة تمريره؛ إذ جرى الإعلان عن استبدال الأحياء بالتاريخ عبر قرار وزاري مفاجئ، ثم جرى لاحقًا تعديل خطاب الوزارة إعلاميًا بتعبيرات من نوع "لم نلغ الأحياء بل أعدنا توزيعها"، دون أي مشاركة حقيقية للمعلمين أو خبراء المناهج أو أولياء الأمور، ما يعمّق إحساس المجتمع بأن مصير أبنائه العلمي يدار بمنطق التجريب والتراجع السريع، لا على أساس دراسات علمية أو تقييمات موضوعية.
فوضى مناهج ولعبة "الكراسي الموسيقية".. حذف لغة ثانية وإرباك الطلاب بلا رؤية
قرار إلغاء الأحياء في الصف الثاني لم يأتِ معزولاً؛ بل سبقته ورافقته موجة قرارات مثيرة للجدل، منها تقليص وزن اللغة الأجنبية الثانية أو إخراجها من المجموع في مراحل مختلفة، كما أشار نواب في مجلس الشيوخ في نوفمبر 2024، محذرين من أن هذا التوجه يقلل من أهمية تعليم اللغات الأجنبية ويضعف تنوع المهارات اللغوية لدى الطلاب في سوق عمل عالمي يعتمد على التعدد اللغوي، لا على الانغلاق.
معلّمون وطلاب وصفوا ما يجري بأنه "عك" و"لعبة كراسي موسيقية بالمناهج"، كما جاء في تعليق جورج وديع الذي لخص الموقف بسخرية: الوزير أزال الأحياء من ثانية ثانوي، ثم عدل منهج ثالثة ثانوي ليضم منهجيْ الصفين الأول والثاني، في تدوير مستمر للمحتوى دون وضوح هدف تربوي، وكأن الوزارة "فاضية تلعب في ترتيب المواد" بدلًا من تحسين طرق التدريس أو تدريب المعلمين أو تحديث المعامل والبنية التحتية للمدارس.
المعلم محمد خليل أشار إلى تناقض لافت في خطاب الوزير؛ فالرجل الذي دعا إلى إعادة الكتاتيب، هو نفسه الذي أصدر قرارات بحذف اللغة الثانية، وحذف الأحياء والجيولوجيا، واستبدالهما بتاريخ حضارات شبه الجزيرة العربية وشخصيات مثار جدل مثل عقبة بن نافع وخالد بن الوليد، متسائلًا: إلى أين تأخذ الوزارة أبناءنا؟ وهل هذه خطوات إلى الأمام أم إلى الوراء، في وقت تحتاج فيه مصر إلى مواطنين يمتلكون أدوات المعرفة العلمية واللغوية لا فقط سرديات تاريخية انتقائية؟
قرارات "التخفيف" تحولت عمليًا – بحسب خبراء مناهج – إلى تفريغ للمرحلة الثانوية من محتوى علمي متماسك؛ فبدلًا من توزيع الأعباء العلمية على ثلاث سنوات، جرى ضغطها في السنة النهائية، مع ترك سنوات سابقة في حالة "نصف مناهج" أو "مناهج متغيرة كل عام"، كما تؤكد تصريحات مسؤولي تطوير المناهج بأن مادة العلوم المتكاملة سيتم تعديلها سنويًا وفق خرائط عالمية، دون تقديم إطار واضح يضمن استقرار أساسيات العلوم لدى الطلاب.
الخبير التربوي كمال مغيث انتقد مرارًا ما سماه "فلسفة الاضطراب الدائم" في قرارات وزارة التعليم؛ إذ يرى أن كثرة التعديلات الجزئية في زمن قصير، من حذف مواد وتخفيف أخرى وإعادة توزيع ثالثة، تعكس غياب استراتيجية تعليم وطنية مستقرة، وتحول حياة الطلاب والمعلمين إلى سلسلة من المفاجآت، وتضرب الثقة في أي خطة تعلنها الوزارة، لأن المجتمع تعوّد أن يسمع قرارًا اليوم ونقيضه بعد شهور.
غياب الحوار المجتمعي وتجاهل رأي الخبراء.. تعليم بلا بوصلة علمية
رغم تبرير وزارة التعليم أن إلغاء الأحياء في الصف الثاني يأتي في إطار "تخفيف الضغط الدراسي" وإعادة هيكلة المناهج، فإن هذا التبرير لم يقنع المتخصصين؛ فالتخفيف لا يعني حذف المواد المحورية، بل تطوير طرق تدريسها وتحديث أدواتها، كما يشير خبراء المناهج الذين يحذرون من أن ترك سنة كاملة بلا دراسة منتظمة للأحياء سيخلق فجوة معرفية يتم تعويضها لاحقًا بمنهج مكثف في الصف الثالث، ما يضعف جودة مخرجات التعليم العلمي ويُربك تأهيل الطلاب للطب والعلوم.
الدكتور يسري الجمل، وزير التعليم الأسبق، شدد في مناسبات سابقة على أن أي تعديل جوهري في المناهج – خصوصًا في المواد الأساسية للشعب العلمية – يجب أن يسبقه حوار مجتمعي واسع، ودراسات جدوى تربوية، وتجريب محدود قبل التعميم، محذرًا من أن القرارات الفوقية المفاجئة تدمّر الثقة في النظام، وتدفع الأسر إلى مزيد من الاعتماد على الدروس الخصوصية بوصفها "شبكة أمان بديلة" عن مناهج لا يعرف أحد استقرارها من عام لآخر.
في هذا الملف تحديدًا، تبرز مشكلة غياب الشفافية؛ فالوزارة لم تنشر حتى الآن دراسة علمية تبرر نقل الأحياء من الصف الثاني إلى الثالث بهذا الشكل، أو تظهر كيف سيُعاد بناء منهج ثالثة ثانوي لاستيعاب محتوى ثلاث سنوات دون إسقاط وحدات مهمة أو اختزال مخل، في وقت تشير فيه شهادات معلمين إلى أن طلاب دفعات سابقة لم يدرسوا الأحياء في أولى ثانوي بشكل كافٍ بسبب "العلوم المتكاملة"، ثم فقدوها في ثانية، ليُطلب منهم فجأة استيعاب كل شيء في سنة واحدة حاسمة.
د. محمود وهبة اعتبر أن ما يجري في وزارة التعليم يعكس تحكّم شخص واحد أو دائرة ضيقة في مصير أجيال، بعيدًا عن أي حوكمة علمية أو مؤسسية، ووصف قرارات الوزير بأنها تخدم مشروعًا ثقافيًا رجعيًا يعيد إنتاج الكتاتيب والتركيز على مواد تاريخية ذات حمولة أيديولوجية، على حساب العلوم الحديثة واللغات، ما يضع مصر – في رأيه – خارج ركب الدول التي تستثمر في التعليم العلمي كثروة استراتيجية للمستقبل.
الخبير في تطوير المناهج د. عبد الحفيظ طايل يضيف أن أزمة إلغاء الأحياء تكشف خللاً أوسع في فهم الوزارة لوظيفة التعليم؛ فبدل أن تُبنى المناهج على أساس ما يحتاجه سوق العمل والجامعة والبحث العلمي، تُصاغ القرارات وفق اعتبارات “تخفيف الشكوى” أو “تجميل الصورة” أو إرضاء تصورات شخصية لدى المسؤول، دون قياس حقيقي لتأثير ذلك على مستوى الخريجين بعد 10 أو 15 سنة.
في المحصلة، لا يبدو قرار إلغاء الأحياء من الصف الثاني الثانوي مجرد تعديل في جدول المواد، بل مؤشرًا على مسار مقلق يدفع بالشعبة العلمية نحو الفراغ، ويضع طلابها أمام تعليم بلا تدرج ولا عمق، في وقت تتجه فيه دول العالم إلى توسيع تدريس علوم الحياة والبيوتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي داخل المدارس، لا إلى تقليصها. وبينما تحتاج مصر إلى وزير تعليم يمتلك رؤية علمية وقادر على بناء توافق مجتمعي حول إصلاح المناهج، يكشف أداء الوزير الحالي عن إدارة فردية متسرعة، تُربك الطلاب والمعلمين والأسر، وتفتح الباب أمام مزيد من التدهور في سمعة الشهادة الثانوية وكفاءة خريجيها في الداخل والخارج.

