تزامنًا مع عرض مسلسل «رأس الأفعى» في موسم رمضان 2026، من إنتاج الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، والذي يروي سيرة القائم بأعمال مرشد جماعة الإخوان المسلمين السابق محمود عزت، ركزت الصحف والمواقع الإخبارية بشكل مكثف على متابعة العمل، ونشر تغطيات يومية عن حلقاته، في مشهد عكس تداخلًا واضحًا بين الإنتاج الدرامي والتوجيه الأمني، وتحول المسلسل من عمل فني إلى محور رئيسي لخطاب إعلامي سياسي منسق.

 

 

تنسيق أمني – إعلامي لصناعة تغطية موحّدة

 

بحسب عشرة مصادر صحفية تحدثت لمشروع «متصدقش»، بينهم صحفيون يعملون في مؤسسات خاصة وقومية وأخرى تابعة للشركة المتحدة، جاءت التغطية الصحفية لمسلسل «رأس الأفعى» وفق تعليمات منسقة ومباشرة، صدرت من جهات أمنية ومسؤولين داخل الشركة المنتجة، وتجاوزت حدود التوجيه العام إلى تفاصيل دقيقة تتعلق بشكل المعالجة التحريرية، وطريقة صياغة العناوين، والمفردات المستخدمة، واختيار الصور المصاحبة للموضوعات المنشورة.

 

المصادر أوضحت أن التعليمات تضمنت التشديد على نشر أخبار مستقلة عن كل حلقة فور عرضها، بصياغة إخبارية متقاربة، وبقالب شبه موحَّد بين المواقع المختلفة، بحيث لا يقتصر حضور المسلسل على شاشات العرض، بل يمتد إلى الفضاء الصحفي اليومي عبر أخبار وتحليلات تعيد إنتاج رسائله السياسية في شكل «تغطية موضوعية» تبدو، في ظاهرها، منفصلة عن غرفة صناعة الدراما.

 

تعمل هذه المصادر في صحف ومواقع متنوعة، بينها «الأهرام» و«المصري اليوم» و«الشروق» و«اليوم السابع» و«صدى البلد» و«الأسبوع» و«صوت الأمة» و«مصراوي» و«الدستور»، ويشغل ستة منهم مناصب مديري تحرير، واثنان منصب رئيس تحرير تنفيذي، واثنان منصب رؤساء أقسام، ما يعكس مستوى الإدارة التحريرية المستهدَف بالتوجيه، ويُظهر أن المطلوب لم يكن مجرد تغطية اختيارية من صحفيين أفراد، بل اصطفافًا تحريريًا واسعًا داخل غرف الأخبار.

 

 

 

وفق الشهادات، صدرت التوجيهات عبر ثلاثة مسارات متوازية؛ جزء منها جاء عبر مسؤولين في «المتحدة»، وجزء آخر عبر ضباط في جهاز المخابرات العامة، بالإضافة إلى ضباط بقطاع الأمن الوطني بوزارة الداخلية، مع الحرص على اتساق الخطاب الإعلامي في المنصات المختلفة، واستنساخ الرسائل الأساسية للمسلسل داخل التغطيات الصحفية، بما يضمن إعادة تمرير الرواية الأمنية الرسمية للأحداث محل التناول الدرامي.

 

من الحلقات الأولى: رسائل ثابتة ولقطات منتقاة

 

أحد مديري التحرير ذكر أن التوجيه كان واضحًا في ما يتعلق بإيقاع النشر وشكل المحتوى؛ «كل حلقة لها خبر مستقل»، بعناوين رئيسية بارزة، تتضمن محاور محددة لا يجوز الخروج عنها، مع التركيز على إبراز «بطولات الأجهزة الأمنية» وتفكيك «خطط الجماعة التخريبية» كما يقدمها العمل الدرامي، بحيث تظهر كل حلقة في اليوم التالي كأنها ملف أمني جديد أكثر من كونها جزءًا من بناء درامي.

 

مصدر آخر أشار إلى أن النصوص التي كانت تُرسل بعد عرض كل حلقة جاءت شبه جاهزة للنشر، مع عناوين مقترحة، وصورة أو صورتين بخلفية موحّدة للاستخدام في الأخبار، وهو ما يفسر التشابه اللافت بين التغطيات في مواقع مختلفة، خصوصًا تلك التابعة لـ«المتحدة»، حيث اتفقت المفردات، وتسلسل العرض، واللقطات البارزة، في نمط يصعب تفسيره بالصدفة المهنية وحدها.

 

الشهادات رصدت تكرار مفردات بعينها في معظم التغطيات، مثل «إحباط مخطط إ.رهابي»، و«ضربة قاصمة»، و«تفكيك خلية»، و«تزييف الوعي»، و«الأرض المحروقة»، و«الخلايا النائمة»، وأكدت أن هذه المصطلحات واردة نصًا ضمن التعليمات، وليست مجرد اختيار صحفي متكرر، وأن الهدف كان تثبيت قاموس لغوي معين لدى الجمهور، يربط بين الجماعة والإرهاب، وبين الأجهزة الأمنية والإنقاذ، باستخدام خطاب متكرر يعاد تدويره يوميًا.

 

 

على مستوى محتوى الحلقات الأولى، توضح التعليمات الخاصة بالخمس حلقات الأولى أن المطلوب في تغطية الحلقة الأولى هو التركيز على أن الأحداث تبدأ في أغسطس 2013، عقب فض اعتصامي رابعة والنهضة، باعتبارها لحظة مفصلية في الصراع بين «الدولة» و«الجماعة»، مع التشديد على «العمليات الإ.رهابية التي خططت لها الجماعة خلال تلك الفترة»، وإبراز مطاردة جهاز الأمن الوطني لمحمود عزت بوصفه المسؤول عن إدارة التنظيم.

 

كما تضمنت التعليمات التأكيد على سردية «استغلال الجماعة لظهور الرئيس الأسبق محمد مرسي داخل السجن عقب بيان 3 يوليو 2013»، في إطار الحديث عن «توظيف سياسي» للحدث، رغم أن الوقائع التاريخية تشير إلى أن أول ظهور لمرسي كان عند محاكمته يوم 4 نوفمبر 2013، ما يضيف بُعدًا من الجدل حول دقة الرواية المعروضة، ويعكس كيف تُعاد صياغة التسلسل الزمني في التغطية الصحفية بما يتماشى مع المعالجة الدرامية.

 

جزء آخر من الرسائل ركز على إبراز ما ورد في المسلسل بشأن «صدور أوامر من عزت بتهريب العملات الأجنبية إلى الخارج» بهدف «إحداث أزمة اقتصادية»، وتكوين أربع خلايا في الخارج، من بينها لجنة إعلامية وأخرى مختصة بتهريب الأموال، مع تسليط الضوء على مشاهد التحقيق داخل جهاز الأمن الوطني، واعترافات متهم في الحلقة الثانية بانضمامه للجماعة خلال اعتصام رابعة، وتسلمه حقيبة ظن أنها «قنبلة صوت» قبل أن يفاجأ بأنها عبوة ناسفة حقيقية، إضافة إلى مشاهد «إحباط تفجير محطة مترو أحمد عرابي» و«هروب عنصر إ.رهابي عبر الطائرة».

 

بين الدراما والتوثيق: توظيف «الواقعية» لخدمة الرواية الأمنية

 

بعد الحلقة الثالثة، ركزت التعليمات – بحسب المصادر – على الدفع بفكرة أن العمل «يمزج بين الدراما والتوثيق»، عبر إبراز توظيف مشاهد وثائقية تتضمن اعترافات حقيقية لعناصر سبق اتهامهم في قضايا عنف، وتقديم هذه النقطة في التغطيات الصحفية كعنصر يمنح المسلسل «مصداقية وواقعية»، بما يحول النقاش من سؤال عن دقة الرواية إلى الانطلاق من افتراض مسبق بأنها موثقة، ثم البناء عليها سياسيًا وإعلاميًا.

 

في تغطية الحلقات الثالثة والرابعة والخامسة، شددت التعليمات على إبراز مشاهد مواجهة قوات الأمن لـ«المخططات التخريبية للجماعة»، مع التركيز على «تفكيك خلية افتعال الأزمات» التي تستهدف البنية التحتية للدولة، عبر تفجير أبراج الكهرباء والاتصالات وتعطيل المرور، وإحباط «مخطط الأرض المحروقة» الذي يتناول وقائع التفجير المتفرقة، مع توضيح أن استراتيجية عزت «قامت على الخلايا النائمة وتكوين لجان إلكترونية» تتولى التحريض ونشر الرسائل التنظيمية.

 

كما تضمنت التعليمات طريقة تقديم مشاهد الاستجواب، بالتركيز على أسلوب «المواجهة النفسية» مع المتهمين، وكسر معنوياتهم، مع إبراز خطاب محمود عزت الموجه لشباب الجماعة، باعتباره خطابًا يقوم على «التطمين والتضليل»، يهدف إلى منع الانهيارات التنظيمية بعد الضربات الأمنية المتتالية، وهو ما انعكس في التغطيات التي تناولت هذه الحلقات ضمن عناوين تربط بشكل مباشر بين تلك الاستراتيجية وبين استمرار العنف والتخطيط للعمليات.

 

مراجعة أمثلة من الأخبار المنشورة حول المسلسل، كما توضح «متصدقش»، أكدت تطبيق هذه التعليمات في التغطيات المختلفة، سواء على مستوى اختيار العناوين أو ترتيب المعلومات أو المشاهد التي تم إبرازها، ما يقدم نموذجًا واضحًا لتكامل بين غرفة صناعة الدراما وغرف الأخبار، يتجاوز الترويج العادي لعمل تلفزيوني جديد، ويتبنى بشكل صريح مهمة إعادة إنتاج الرواية الأمنية عن فترة ما بعد يوليو 2013، في قالب درامي – صحفي متناسق يخاطب الجمهور يوميًا خلال موسم درامي واسع المشاهدة.