أظهر تقرير الحساب الختامي للعام المالي 2024/2025 قفزة كبيرة في الحصيلة الضريبية، مع زيادة تبلغ 35.2٪ مقارنة بالعام السابق، لتصل إلى 2.2 تريليون جنيه بدلًا من 1.628 تريليون في 2023/2024.

لكن تفصيل الأرقام يوضح أن الجزء الأكبر من هذه الزيادة جاء من ضرائب يدفعها الأفراد والمستهلكون وأصحاب المهن غير التجارية، مقابل نمو أبطأ بكثير في الضرائب المحصلة من الشركات والنشاط التجاري والصناعي، ما يفتح سؤال العدالة الضريبية مجددًا أمام سياسات تعتمد على المستهلك أكثر من اعتمادها على أرباح الكيانات الكبرى.

 

هيكل الإيرادات الضريبية.. عبء أكبر على المستهلكين وأصحاب المهن

 

تقرير الحساب الختامي للعام المالي 2024/2025 يوضح أن إجمالي الإيرادات الضريبية ارتفع إلى 2.2 تريليون جنيه بزيادة 35.2٪ عن العام السابق، وهي زيادة تبدو كبيرة على مستوى الأرقام الكلية، لكنها تخفي توزيعًا غير متوازن للأعباء بين فئات المجتمع المختلفة، لصالح الضرائب غير المباشرة والضرائب على الدخل الشخصي مقارنة بضرائب أرباح الشركات والأنشطة التجارية والصناعية.

 

المستهلكون وأصحاب المهن من أفراد وموظفين وأطباء ومحامين وغيرهم دفعوا خلال العام الماضي نحو 1.14 تريليون جنيه ضرائب، تمثل حوالي 51.8٪ من إجمالي الحصيلة الضريبية، بزيادة 35٪ عن حصيلة عام 2023/2024 التي بلغت 848 مليار جنيه، ما يعني أن نصف الحصيلة تقريبًا يأتي من ضرائب مرتبطة بالاستهلاك والدخول الفردية، في وقت يعاني فيه أغلب المواطنين من تآكل القدرة الشرائية.

 

في المقابل، بلغت إيرادات الضرائب من النشاط التجاري والصناعي وأرباح الشركات 602.8 مليار جنيه فقط، بارتفاع 18.1٪ عن العام السابق الذي سجلت فيه 511 مليار جنيه، بما يعادل 27.4٪ من إجمالي الإيرادات الضريبية، أي ما يقارب نصف مساهمة المستهلكين والأفراد، رغم أن الشركات هي المستفيد الأكبر من الحوافز والتسهيلات والقدرة على تمرير جزء معتبر من كلفة الضرائب إلى أسعار السلع والخدمات النهائية التي يتحملها المواطن.

 

هذا التفاوت في النمو بين الضرائب على المستهلكين والضرائب على الشركات يؤكد أن الدولة فضلت الاعتماد على الضرائب غير المباشرة والضرائب على الدخول الشخصية لتعويض العجز وزيادة الحصيلة، بدلًا من إعادة النظر في مساهمة أرباح الشركات والقطاعات الكبرى التي تستفيد من بنية الإعفاءات والحوافز بشكل واسع وفق أحد التقريرات الصحفية.

 

الإعفاءات والفاقد الضريبي.. من أرباح الشركات إلى الملاذات

 

صندوق النقد الدولي يوصي برفع الإيرادات الضريبية في مصر بنحو 3٪ من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية برنامج الإقراض، عبر توسيع القاعدة الضريبية وتحسين الإدارة، مع التركيز على تقليص الإعفاءات الضريبية، خصوصًا الممنوحة للجهات المملوكة للدولة، سواء كانت مدنية أو عسكرية، باعتبارها أحد مصادر الفاقد الضريبي التي تحرم الخزانة من موارد محتملة كبيرة يمكن أن تخفف العبء عن المواطنين.

 

خلال أربع مراجعات منشورة، طالب الصندوق الحكومة مرارًا بنشر تقرير سنوي يوضح حجم الإعفاءات الضريبية، واستجابت الحكومة بإصدار تقرير عن «الإنفاق الضريبي والفاقد الضريبي» تغطي أحدث نسخه المنشورة في أبريل 2024 العام المالي 2022/2023، بالتعاون مع خبراء من البنك الدولي، وهي تقارير تقدّر ما تخسره الدولة بسبب الإعفاءات والحوافز مقارنة بما كان يمكن تحصيله وفق الضريبة السائدة.

 

أبرز ما في التقرير أن الفاقد من الضريبة على أرباح الشركات قُدّر بحوالي 0.5٪ من الناتج المحلي الإجمالي، أي نحو 51 مليار جنيه بناء على ناتج 2022/2023 البالغ 10.2 تريليون جنيه، وهو رقم يتضاعف نظريًا إلى نحو 102 مليار جنيه إذا احتُسب على الناتج المتوقع حاليًا والمقدر بـ20.4 تريليون جنيه، ما يعني أن جزءًا معتبرًا من الموارد الممكنة يضيع عبر إعفاءات منصوص عليها قانونيًا.

 

يرجع التقرير هذا الفاقد إلى نصوص قانونية وتشريعية تمنح إعفاءات ضريبية لعدد من الأنشطة وأنواع محددة من دخول الشركات، استنادًا بالأساس إلى قانون الضريبة على الدخل رقم 91 لسنة 2005، وقانون الاستثمار رقم 72 لسنة 2017 وتعديله بالقانون رقم 141 لسنة 2019، حيث تتيح هذه القوانين خصومات وإعفاءات واسعة مرتبطة بأرباح الشركات، تحت عنوان تشجيع الاستثمار وجذب رؤوس الأموال.

 

يوضح عاطف وليم، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي، أن الحكومة احتسبت الفاقد الضريبي على أساس ما تخسره الخزانة نتيجة الإعفاءات والامتيازات الممنوحة قانونًا، لكن إذا أُضيف إلى ذلك ما تفقده الدولة بسبب التهرب الضريبي وأنشطة الملاذات الضريبية، فإن الحجم الحقيقي للفاقد سيكون أكبر بكثير من الأرقام الرسمية الواردة في تقرير الإنفاق الضريبي المنشور.

 

سلسلة تحقيقات صحفية سابقة كشفت كيف أسست كيانات كبرى مثل «التشخيص المتكاملة» و«أوراسكوم للإنشاءات» و«طلعت مصطفى» و«حسن علام» شركات خارجية بغرض تملك الشركات المشغّلة داخل مصر، وتمركزت بعض هذه الكيانات في دول تُصنف كملاذات ضريبية مثل جزر الكايمن، وجزر العذراء، وهولندا، ولوكسمبرغ، وقبرص، بما يتيح تخفيض الأعباء الضريبية وسهولة تحويل الأرباح إلى الخارج، بعيدًا عن الخضوع الكامل للمنظومة الضريبية المصرية.

 

بهذا المعنى، فإن فجوة العدالة الضريبية لا ترتبط فقط بنسبة ما يدفعه الأفراد مقارنة بالشركات داخل النظام، بل تمتد إلى تصميم القواعد القانونية نفسها، وإلى المساحات التي تسمح بها التشريعات لاستخدام الملاذات الضريبية، وإلى الفارق بين الضريبة «الافتراضية» التي كان يمكن تحصيلها وواقع الحصيلة الفعلية التي يعوَّض جزء منها عبر ضرائب استهلاك يدفعها عموم المواطنين في الأسعار النهائية للسلع والخدمات.

 

مناطق حرة وحوافز استثمارية.. وضرائب شركات أقل من العالم

 

تقرير وزارة المالية يشير إلى أنه منذ بدء تطبيق نموذج المحاكاة الضريبية للبنك الدولي في العام المالي 2019/2020، قُدّر الفاقد من أرباح الشركات العاملة في المناطق الحرة بنحو 0.44٪ من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يعادل قرابة 90 مليار جنيه عند احتسابه على الناتج المتوقع في العام الحالي، وفقًا لذات التقرير، عبر ما يعرف بـ«الضريبة البديلة» التي تفترض خضوع تلك الشركات لنظام ضريبة الأرباح العادي بدلًا من النظام التفضيلي.

 

القانون رقم 72 لسنة 2017 للاستثمار يمنح شركات المناطق الحرة حزمة واسعة من التسهيلات، تشمل إعفاءات جمركية كاملة للسلع المستوردة، وضمان حرية تحويل الأموال وعدم الحجز على الأصول والممتلكات، مع حماية من التأميم والمصادرة، بينما أضاف تعديل 2023 حوافز إضافية مثل تحمّل الدولة تكلفة توصيل المرافق، ورد نصف قيمة الأرض للمشروعات الصناعية، وتخصيص أراضٍ مجانية لبعض الأنشطة الاستراتيجية، وإعفاء بعض مشروعات المناطق الحرة من رسوم الانتفاع لمدة تصل إلى عشر سنوات.

 

رغم هذه الامتيازات، توضح دراسات محلية ودولية أن المناطق الحرة لا تؤدي بالضرورة إلى زيادة ملموسة في الاستثمار الأجنبي المباشر أو في الصادرات أو موارد الدولة من العملات الأجنبية، بل إن بعضها يستورد أكثر مما يصدر، ما يخلق منافسة غير متكافئة مع الشركات العاملة في السوق المحلية التي لا تحصل على نفس الحوافز، بينما تتقلص في المقابل حصيلة الضرائب الجمركية وضريبة الأرباح لصالح نموذج تفضيلي لا يثبت دائمًا فعاليته التنموية.

 

دراسة للبنك الدولي صدرت عام 2017 أشارت صراحة إلى عدم وجود علاقة حتمية بين الإعفاءات الضريبية ونجاح المناطق الحرة في توليد الصادرات، وشددت على أن نجاح هذه المناطق يعتمد على إصلاحات هيكلية أوسع في الاقتصاد، لا على الحوافز الضريبية وحدها، بل وخلصت إلى أن الإعفاءات الكبيرة تقلص عائدات الضرائب وتؤدي إلى تراجع الإيرادات الحكومية، بما ينعكس سلبًا على الإنفاق الاجتماعي والاستثماري العام.

 

حاليًا يوجد في مصر 9 مناطق حرة عامة موزعة على عدد من المحافظات، إلى جانب 224 منطقة حرة خاصة تقام لمشروع أو أكثر بأنشطة متشابهة يملكها أو يستأجرها مستثمرون، ورغم الفاقد الضريبي المرتبط بها تخطط الحكومة لإنشاء 11 منطقة جديدة، ما يعني توسيع نطاق الحوافز والإعفاءات، وزيادة الضغط لتعويض هذا الفاقد عبر تحميل المواطنين مزيدًا من الضرائب غير المباشرة والرسوم المرتبطة بالاستهلاك اليومي.

 

تقرير «الفاقد الضريبي» يوضح أيضًا أن نسبة الضريبة على أرباح الشركات في مصر، البالغة 22.5٪، أقل من المتوسط في دول نظيرة وأقل من المتوسط العالمي، إذ تصل مثلًا إلى 34٪ في البرازيل، و27٪ في جنوب أفريقيا، و30٪ في كل من نيجيريا وكينيا، وهي نسبة تُقدَّم رسميًا كميزة تنافسية لجذب الاستثمار، لكنها تعني عمليًا مساهمة أقل نسبيًا من أرباح الشركات في تمويل الموازنة مقارنة بما يتحمله المستهلكون والأفراد.

 

عند مقارنة نمو البنود الضريبية بين 2018/2019 و2022/2023، يظهر التفاوت بوضوح؛ إذ نمت ضريبة أصحاب المهن غير التجارية بنسبة 51٪، ونمت ضريبة المرتبات المحلية بنسبة 26.9٪، بينما لم تتجاوز نسبة نمو ضريبة أرباح الشركات 5.8٪ فقط في الفترة نفسها، بما يعزز الانطباع بأن جزءًا متزايدًا من الحمل الضريبي ينتقل تدريجيًا من الشركات إلى الأفراد، في ظل اتساع الإعفاءات والحوافز الممنوحة لرأس المال.

 

ورقة بحثية للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية صدرت في أغسطس 2024 بعنوان «2024/2025: موازنة فوائد الديون.. التقشف لنا والأرباح للدائنين»، انتقدت توسع الدولة في جمع الضرائب من جيوب الأفراد الذين لا يحققون أرباحًا، وأشارت خاصة إلى ضريبة القيمة المضافة التي تُحصَّل بنسب متساوية تقريبًا من الجميع بغض النظر عن التفاوت في الدخول والثروات، ما يجعلها ضريبة تميل إلى عدم العدالة، لأنها تثقل كاهل الفئات الأفقر نسبيًا أكثر من غيرها.

 

عاطف وليم يوضح أن تجاوز الحصيلة الضريبية للمستهدف لا يعكس بالضرورة نموًا حقيقيًا في النشاط الاقتصادي أو تحسنًا كبيرًا في كفاءة التحصيل، بل يرتبط بطبيعة الضرائب المفروضة على السلع والاستهلاك، ومع انخفاض قيمة العملة وارتفاع أسعار السلع، خصوصًا المستوردة التي تخضع للجمارك وضريبة القيمة المضافة، ترتفع تلقائيًا حصيلة الضرائب، فضلًا عن زيادات متعمدة في ضرائب بعض السلع مثل السجائر.

 

خلال العام المالي الماضي جمعت الحكومة 93.7 مليار جنيه من ضرائب السجائر والتبغ، وحققت ضريبة القيمة المضافة حصيلة تجاوزت المستهدف بنسبة 25٪ لتصل إلى نحو 512 مليار جنيه، منها حوالي 164 مليارًا على البضائع المحلية، و384 مليارًا على البضائع المستوردة، ما يعكس اعتمادًا متزايدًا على ضرائب يدفعها جميع المستهلكين، بغض النظر عن مستويات دخولهم، لسد فجوة إيرادات كان يمكن أن تغطي جزءًا منها مساهمة أكبر من أرباح الشركات والأنشطة الكبرى في المنظومة الضريبية.