أدانت السعودية، السبت 28 فبراير 2026، الهجمات الإيرانية التي طالت دولًا عربية، وتصفها بأنها “اعتداء غاشم” وانتهاك للسيادة، في لحظة تتبدل فيها خرائط الأمن بالمنطقة بسرعة. البيان السعودي جاء متزامنًا مع تقارير عن ضربات صاروخية على مواقع تستضيف قوات أميركية في الخليج، واعتراضات جوية، وارتفاع مخاوف انتقال المواجهة من “رد محسوب” إلى اشتباك إقليمي مفتوح.
وزارة الخارجية السعودية قالت إن المملكة تدين الاعتداء الإيراني على الإمارات والبحرين وقطر والكويت والأردن، وتؤكد تضامنها ووقوفها إلى جانب “الدول الشقيقة”. وأضافت أنها تضع “كافة إمكاناتها” لدعم هذه الدول في إجراءات حماية الأمن والسيادة. صياغة البيان تحمل رسالة مزدوجة. دعم سياسي مباشر. وتحذير ضمني من أن التصعيد لم يعد شأنًا بعيدًا عن الرياض.
إدانة سعودية وتحذير من “عواقب وخيمة” وسط تآكل هوامش التهدئة
الرياض حذّرت من “العواقب الوخيمة” لاستمرار انتهاك سيادة الدول ومبادئ القانون الدولي، ودعت إلى ضبط النفس ومنع اتساع رقعة المواجهة. لكن التحذير يخرج في توقيت شديد الحساسية. لأن الوقائع على الأرض تسبق بيانات التهدئة. ولأن المنطقة دخلت بالفعل دائرة إغلاق مجالات جوية وتعليق رحلات وتحويل مسارات طيران، وهي مؤشرات عملية على انتقال الخطر إلى البنية اليومية للحياة.
الخبيرة سنم وكيل (Chatham House) ترى أن توسع نطاق الضربات المتبادلة يرفع احتمال “سوء التقدير” أكثر من رفع فرص الردع. فكل طرف يقرأ رسالة الآخر على أسوأ احتمال. وفي الإقليم، يكفي صاروخ يخطئ مساره أو هجوم يُنسب خطأً لجهة ما، لتتحول الدعوات للتهدئة إلى عناوين بلا أثر، بينما تبقى كلفة الارتباك على المدنيين والاقتصاد.
هجمات على قواعد أميركية واعتراضات أردنية.. الحرب تطرق أبواب العواصم
في المقابل، نقلت تقارير أن وكالة “فارس” تحدثت عن تعرض 4 قواعد أميركية في الإمارات والبحرين وقطر والكويت لهجمات صاروخية مكثفة من الحرس الثوري الإيراني. وحتى لحظة التغطية، لم تصدر بيانات رسمية متطابقة من كل الدول المعنية بحجم الأضرار. لكن مجرد ذكر قواعد بأسمائها يضع الخليج في قلب “حرب القواعد” بدل هامشها.
الأردن أعلن أنه تصدى لصاروخين باليستيين استهدفا أراضيه، مؤكدًا إسقاطهما دون وقوع إصابات. الرسالة هنا أبعد من حادث اعتراض. هي مؤشر على أن مسارات الصواريخ باتت عابرة للحدود، وأن المجال الجوي لدول ليست طرفًا مباشرًا يتحول إلى ساحة اعتراض وسقوط شظايا، بما يضاعف مخاطر “الامتداد غير المقصود” للمواجهة.
الباحث الأمني مايكل نايتس (The Washington Institute) يحذر عادة من أن استهداف قواعد تستضيف قوات أميركية يخلق سلسلة ردود متراكمة، لأن الردع يصبح “متعدد الأطراف” لا ثنائيًا. في هذا النموذج، لا تتحكم دولة واحدة في الإيقاع. وتصبح القواعد، والمطارات، والطرق البحرية، نقاط اختبار يومية للقدرة على منع انفجار أكبر.
طهران تقول إن الرد “عسكري فقط” بينما يزداد القلق من اتساع المواجهة
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي نقلت عنه روايات أنه أبلغ نظيره العراقي فؤاد حسين بأن رد طهران باستهداف القواعد العسكرية الأميركية لا يستهدف “دولًا بعينها”، بل يقتصر على “المواقع العسكرية”. هذا التمييز مقصود سياسيًا لتخفيف الضغط على العلاقات مع دول الخليج. لكنه لا يغير حقيقة أن الضربة تقع على أراضي تلك الدول، وأن الرأي العام فيها سيتعامل مع النتيجة لا مع النوايا.
التصعيد يأتي على خلفية عدوان بدأته إسرائيل والولايات المتحدة، بحسب تغطيات دولية، عبر ضربات منسقة داخل إيران، ورد إيراني واسع بالصواريخ والطائرات المسيّرة. التقديرات تتغير كل ساعة. لكن المؤكد أن المنطقة دخلت مرحلة “القرار السريع”. إغلاق أجواء. تعليق رحلات. ونشرات تحذير متتالية من سفارات وجيوش.
الباحثة رناد منصور (Chatham House) تشير في تحليلاتها إلى أن لحظات التصعيد الكبرى تعيد تشكيل الأولويات في دول المنطقة قسرًا. الأمن يتقدم. الاقتصاد يتراجع. والقدرة على التحكم في الفصائل والردود تصبح أصعب. وفي مثل هذا المناخ، تتضاعف أهمية أي موقف رسمي عربي، لأن الحسابات لم تعد مرتبطة بالمواقف فقط، بل بتأمين المجال الجوي والطاقة وحركة الناس.
بين إدانة السعودية للهجمات الإيرانية، وتأكيدها دعم الإمارات والبحرين وقطر والكويت والأردن، وبين تقارير عن استهداف قواعد أميركية واعتراض صواريخ فوق الأردن، تتضح صورة واحدة: المنطقة تتحرك على حافة اتساع يصعب ضبطه. والرهان الآن ليس على “من بدأ”، بل على “من يوقف سلسلة الردود” قبل أن تتحول سماء الخليج إلى ممر حرب دائم.

