هوت البورصات العربية مع اتساع العدوان العسكري الأمريكي الإسرائيلي على إيران وردّ طهران الصاروخي، لتنتقل ارتدادات الحرب من السماء والبحر إلى شاشات التداول، وتكشف هشاشة الأسواق أمام صدمة جيوسياسية مفتوحة.

 

البورصة المصرية أعلنت، الأحد 1 مارس 2026، وقفًا جزئيًا ومؤقتًا للتداول على أكثر من 50 سهمًا لمدة 10 دقائق، في محاولة لاحتواء خسائر متسارعة مع بداية الجلسة. القرار جاء بعد تراجع حاد في المؤشرات الرئيسية وسط حالة ذعر بيعي.

 

في المقابل، ذهبت بورصة الكويت أبعد من ذلك. إدارة السوق أعلنت تعليق التداول إلى أجل غير مسمى اعتبارًا من الأحد 1 مارس 2026، مبررة الخطوة بـ«الظروف الاستثنائية» حفاظًا على سلامة المتعاملين واستقرار السوق.

 

خسائر فورية.. وجرس إنذار اقتصادي

 

المؤشر الرئيسي في مصر “إيجي إكس 30” هبط بنسبة 3.59% ليصل إلى 47446 نقطة مع افتتاح الجلسة. مؤشر “إيجي إكس 70” للأسهم الصغيرة والمتوسطة تراجع بنسبة 4.3% ليصل إلى 11767 نقطة.

 

هذه الأرقام تعكس موجة بيع واسعة مدفوعة بمخاوف من توسع الحرب إقليميًا. الهبوط لم يكن انتقائيًا. قطاعات عدة سجلت تراجعات متزامنة، ما يشير إلى انسحاب سيولة أكثر منه إعادة تموضع استثماري.

 

الدكتور جيمس سوانستون، الخبير في الأسواق الناشئة لدى “كابيتال إيكونوميكس”، يرى أن “الأسواق لا تتفاعل فقط مع الأخبار العسكرية، بل مع غياب أفق زمني لنهاية التصعيد. هذا ما يضرب الثقة ويطلق موجات بيع وقائية”.

 

وقف التداول لمدة 10 دقائق في القاهرة يُستخدم عادة كآلية لامتصاص الصدمات. لكن اللجوء إليه في أول ساعة تداول يعكس حدة التوتر وحجم الخسائر اللحظية.

 

تعليق كويتي مفتوح.. والصدمة الأمنية

 

في الكويت، القرار كان أكثر حسمًا. تعليق التداول حتى إشعار آخر يعكس إدراكًا لحجم المخاطر بعد تعرض البلاد لهجمات إيرانية ضمن موجة تصعيد إقليمي شملت 9 دول عربية خلال يومين.

 

الكويت والسعودية والإمارات وقطر والبحرين وسلطنة عُمان والأردن وسوريا والعراق جميعها وردت أسماؤها ضمن المعطيات المعلنة حول الهجمات. البيئة الأمنية غير المستقرة دفعت إدارة السوق إلى تجميد النشاط بالكامل.

 

الدكتورة مونيكا مالك، كبيرة الاقتصاديين في بنك أبوظبي التجاري سابقًا، توضح أن “إغلاق السوق في ظل ظروف استثنائية يمنع ذعرًا بيعيًا غير عقلاني، لكنه في الوقت ذاته يرسل إشارة بأن المخاطر خرجت عن الإطار التقليدي”.

 

تعليق التداول يهدف إلى حماية المستثمرين من تقلبات حادة. لكنه أيضًا يعكس انتقال الحرب من مسرح عسكري إلى مسرح اقتصادي، حيث تتأثر التدفقات الرأسمالية فورًا بأي تهديد للأمن الإقليمي.

 

حرب مفتوحة… وأسواق بلا مظلة أمان

 

منذ صباح السبت، تشن إسرائيل والولايات المتحدة عمليات عسكرية واسعة ضد إيران. طهران أعلنت مقتل 201 شخص، بينهم المرشد علي خامنئي ومسؤولون أمنيون. الرد الإيراني شمل صواريخ ومسيّرات استهدفت إسرائيل و27 قاعدة أمريكية في المنطقة.

 

الهجمات ألحقت أضرارًا بأعيان مدنية، بينها موانئ ومبانٍ سكنية. هذه التطورات رفعت مستوى المخاطر السياسية إلى حد غير مسبوق، ما يضغط مباشرة على أسواق المال والطاقة.

 

الدكتور روبن بروكس، الباحث في معهد بروكينغز، يرى أن “الأسواق الناشئة هي الأكثر هشاشة أمام الصدمات الجيوسياسية، خصوصًا عندما ترتبط بممرات الطاقة وسلاسل الإمداد. أي تعطيل في الخليج ينعكس فورًا على شهية المخاطر عالميًا”.

 

القرارات في القاهرة والكويت تؤكد أن المستثمرين لا ينتظرون اتساع الحرب فعليًا. مجرد استمرارها يكفي لإعادة تسعير الأصول على أساس المخاطر القصوى.

 

الضغط لا يقتصر على الأسهم. أسواق الطاقة شهدت تقلبات حادة، في ظل مخاوف من تأثيرات على تدفق النفط والغاز. أي إغلاق محتمل لممرات استراتيجية سيضاعف أثر الصدمة.

 

حتى مساء 1 مارس 2026، لا توجد مؤشرات على تهدئة قريبة. استمرار العمليات العسكرية يعني استمرار التقلبات. وقف التداول قد يكون إجراء مؤقتًا، لكنه لا يعالج جذور القلق.

 

الرسالة واضحة. الحرب بين إيران وإسرائيل، المدعومة أمريكيًا، لم تعد مسألة عسكرية فقط. إنها اختبار لقدرة الاقتصادات الإقليمية على الصمود أمام عاصفة جيوسياسية ممتدة.

 

في ظل غياب تسوية سياسية، تبقى البورصات في حالة ترقب. المستثمرون يراقبون تطورات الميدان. وكل تصعيد جديد قد يترجم إلى نقطة حمراء أخرى على شاشات التداول، في منطقة تعيش أخطر اختبار مالي منذ سنوات.