د. عصام تليمة
من علماء الأزهر، حاصل على الدكتوراه في الفقه المقارن
منذ أيام جرت حادثة سرقة طفل مولود من مستشفى الحسين الجامعي، التابع لجامعة الأزهر، وقامت بسرقة الطفل سيدة كانت ترتدي النقاب، ونجحت وزارة الداخلية المصرية في العثور على السيدة التي سرقته، ورد المولود لأهله. إلى هنا الخبر يحدث في مصر ويتكرر في مناطق متعددة، سرقة أطفال، سواء مواليد جدد، أو في سن الطفولة، لكن الجديد في الحدث: أن انطلقت منصات إعلامية ودينية تابعة للسلطة، خرجت تدعو لمنع النقاب في المؤسسات العامة، وأنه يمثل خطورة على المجتمع بعد ورود هذه الأحداث.
وارتداء النساء النقاب، ليس مسألة أمنية فقط، كي تحكمها الدواعي الأمنية، هذا إن ثبت هذا الداعي، وصار يمثل ظاهرة خطرة على أمن الناس، فإن هؤلاء الذين خرجوا ينهشون المنتقبات والنقاب، لم يرجع أحدهم لأية إحصائية عن الجريمة في مصر، ونسبة ارتكاب المنتقبات للجريمة، سواء كن يرتدينه من باب التخفي، أو من باب التدين، أو من باب العادة، ثم انحرفت فارتكبت جريمة.
بالعودة لإحصاءات الجرائم المتعلقة للمرأة في مصر، ستفاجأ أن نسبة جرائم المرأة في مصر، وبخاصة السرقة، فهي مقارنة بالرجال أقل بنسبة لا تقارن، وبالنظر للجريمة سبب الحديث، وهي الخطف، فأكثر قلة، وبالنسبة للنقاب، سنجد أنها نسبة لا تكاد تكون نسبة في الألف أو المليون، أي أنها من الندرة من حيث الإحصاء، أي: أن الحالة ليست ظاهرة، وليست متكررة تكرارا يجعل المجتمع يقرع أجراس الخوف والانتباه.
لكنها حركت قرون الاستشعار لدى شخصيات تنتظر بين الحين والآخر، أي مظهر إسلامي للتحرش به، وهذا ذكرني بمواقف لم نكن ننتبه إليها قبل ثورة يناير، فقد حدثني أحد الرموز السياسية الإسلامية الوسطية، أنه فوجئ في مؤتمر ببعض العلمانيين واليساريين، يفتحون النقاش حول المادة الثانية من الدستور المصري، والتي تتعلق بأن الشريعة الإسلامية مصدر التشريع، فقال لهم: لماذا تفتحون النقاش في موضوع غير مطروح؟ وليس في أجندة النقاش والحوار والمؤتمرات؟ فأجابه: لكي نهيأ الناس عندما نطرحها جديا، فلا بد من تهيئة الأجواء، وتحريك الأمر مبكرا، حتى يكون هناك قابلية للحديث عنها!!
وهل ممارسة الجريمة بثياب معينة، هل معنى ذلك إدانة المهنة وثيابها، فماذا لو كانت سارقة الطفل ترتدي لباس الراهبات في مصر؟ وكم من جريمة استعملت فيها ثياب الأطباء، وثياب رجال الشرطة، وثياب الرهبان والقساوسة والشيوخ، فهل معنى ذلك أن يتم السعي لمنع هذه الثياب في مؤسسات عامة أو غيرها؟!
مسألة النقاب هنا في المؤسسات العامة، هي مسألة أمنية بحتة، ولا تحتاج أكثر من موظفة أمن على باب المستشفى، أو باب المؤسسة العامة، جامعة أو مؤسسة حكومية أو غيرها، والمنصات الإعلامية والدينية التابعة للسلطة والتي هللت لنجاح الشرطة في ساعات في الوصول للمرأة الخاطفة، وهي غير مرتدية النقاب بالأساس، بل ارتدته للتخفي، فقد فرحوا بجهد الشرطة، وهو جهد مشكور فعلا، لكنه أكد كذب ما ذهبوا إليه، وغرضهم غير البريء، لأن الأمر أمنيا يتطلب وجود كاميرات تؤمن المكان، وفريق بحث قوي، سرعان ما يكتشف الجاني.
بقي أمر آخر مهم، وهو الموقف الديني من النقاب، في دولة ينص دستورها على أن دين الدولة الرسمي الإسلام، وأن الأزهر مرجعية عند الاختلاف، والنقاب رغم قناعتي الدينية والفقهية بأنه ليس فرضا، لكن الأمر في أصله مختلف فيه، بين رأيين فقهيين معتبرين، رأي الجمهور الذي يرى أن الوجه والكفين ليسا بعورة، ورأي آخر يرى أن جميع بدن المرأة عورة، فإذا اقتنعت امرأة بأن وجهها عورة، لماذا نضعها في حرج ونضطرها لكشف ما تراه عورة.
في كل مطارات العالم، يحترم لبس المرأة ويتم تفتيشها عن طريق سيدة، في مكان آمن، وهذا حق مشروع يراعيه الجميع، فكيف في بلدان عربية وإسلامية يتم التحريض على مظهر يتعلق بأمر ديني عند من ترتديه، سواء ارتدته بوصفه واجبا وفرضا، أو بوصفه مستحبا، ولماذا يصر غلاة العلمانيين واليساريين العرب من وضع المواطن المتدين في حالة فصام نكد بين دينه والسلطة وقوانينها؟!
إنهم يهاجمون ليل نهار الحجاب، عندما تبرز به سيدات مسلمات في عمل عام، لكن حين يكون ذلك في أحد مسؤولي السلطة يصمتون تماما، هل رأيت أي انتقاد لهؤلاء العلمانيين، لتعيين أول دفعة لقاضيات في مصر، فوجئ الجميع بأن جميع القاضيات محجبات، عدا واحدة فقط، ولم ينبس أحد ببنت شفة، لأن القرار والاختيار تم على عين السلطة، وأي اتهام للحجاب ومن ترتديه بالتخلف أو أي لون من التنمر، سيكون ذلك تنمرا على السلطة نفسها، وهو ما يبين أن في النفوس مرضا تجاه التدين، يختفي في مساحات، ويبرز في أخرى، بحسب موقف السلطة من هذا اللون من التدين.
وهجوم هذه المنصات التابعة للسلطة، كان رسالة لفصيل سلفي ارتمى في أحضان السلطة، وكانت أفراده من المنتقبات يقفن في حملات لدعم السيسي، وهن تابعات لحزب النور، وسرعان ما تخلى عنهم السيسي، وبدأ يناوشهم هذا الإعلام، لأنهم كانوا خناجر في ظهر الإخوان في تجربتهم للحكم، أما الآن، فلم يعد لهم حاجة، وكانوا يعتبرون وقفتهم مع السيسي رعاية للدعوة، وحفظا للتدين، وغلفوا ارتماءهم في أحضان الاستبداد بالحفاظ على الدعوة الإسلامية، لنرى أنهم لم يستطيعوا أن يحافظوا على أقل مكتسبات للدعوة في ظل ثورة يناير، وتجربة الإخوان!!

