كشفت بيانات البورصة المصرية عن موجة بيع أجنبية قوية لأذون وسندات الخزانة بقيمة 12.6 مليار جنيه، ما يعادل نحو 257 مليون دولار، خلال جلسة واحدة في السوق الثانوي، في تحرك يعكس انسحابًا سريعًا من أدوات الدين الحكومية مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.

 

الرقم ليس عابرًا. أدوات الدين تمثل أحد أهم مصادر تمويل الموازنة. كما أنها القناة الرئيسية لتدفقات الاستثمارات قصيرة ومتوسطة الأجل المعروفة بـ“الأموال الساخنة”. وعندما تبدأ هذه الأموال في المغادرة، تظهر آثارها فورًا على سعر الصرف والسيولة.

 

12.6 مليار جنيه في يوم واحد

 

أظهرت بيانات التداول بالسوق الثانوي اتجاه المستثمرين الأجانب للبيع المكثف لأذون وسندات الخزانة المصرية. الخطوة تعكس ارتفاع مستوى الحذر تجاه الأصول المرتبطة بالأسواق الناشئة في أوقات الاضطراب.

 

الدكتور محمد معيط، أستاذ الاقتصاد الكلي، يرى أن “التخارج بهذا الحجم في جلسة واحدة يشير إلى حساسية عالية لدى المستثمر الأجنبي تجاه المخاطر الإقليمية”. ويضيف أن الاعتماد على الأموال الساخنة “يخلق قابلية سريعة للتقلب بمجرد تغير المزاج العالمي”.

 

أذون وسندات الخزانة ليست مجرد أوراق مالية. هي ركيزة تمويل رئيسية لعجز الموازنة. كما أنها مؤشر على ثقة المستثمرين في استقرار العملة والسياسات النقدية. خروج 12.6 مليار جنيه في جلسة واحدة يضع هذه الثقة تحت الاختبار.

 

التحركات جاءت بالتزامن مع تصاعد التوترات الإقليمية. المستثمر الدولي يعيد تقييم المخاطر. الأسواق الناشئة تكون أول المتأثرين. مصر ليست استثناء.

 

ضغط مباشر على الدولار

 

تزامنت موجة البيع مع ارتفاع ملحوظ في سعر الدولار أمام الجنيه. سجل الدولار نحو 49.27 جنيه في البنك الأهلي المصري وبنك مصر، وهو أعلى مستوى خلال نحو 7 أشهر.

 

الدكتور هاني جنينة، خبير أسواق المال، يوضح أن “التخارج من أدوات الدين يعني طلبًا أكبر على الدولار لتحويل العوائد للخارج”. ويشير إلى أن العلاقة بين خروج الأموال الساخنة وسعر الصرف “مباشرة وسريعة”.

 

التحرك يعكس نمطًا معروفًا. عندما تتصاعد المخاطر، يتجه المستثمرون نحو الملاذات الآمنة مثل الدولار والسندات الأمريكية. في المقابل، تتراجع جاذبية أدوات الدين في الأسواق الناشئة، حتى لو كانت تقدم عوائد مرتفعة.

 

الأسواق الناشئة تتأثر بشكل خاص في هذه الظروف. رؤوس الأموال قصيرة الأجل تتحرك بسرعة. لا تنتظر بيانات مطولة. يكفي ارتفاع مستوى المخاطر أو أسعار الفائدة العالمية لتبدأ الموجة.

 

هشاشة الاعتماد على الأموال الساخنة

 

تدفقات الاستثمارات قصيرة الأجل ساهمت خلال السنوات الماضية في دعم الاحتياطي النقدي وتمويل الموازنة. لكنها بطبيعتها متقلبة. تدخل سريعًا. وتخرج بسرعة أكبر.

 

الدكتورة منى بدير، كبيرة الاقتصاديين، ترى أن “الاعتماد المكثف على الأموال الساخنة يجعل الاقتصاد عرضة لصدمات خارجية”. وتضيف أن الحل يكمن في “زيادة الاستثمارات المباشرة طويلة الأجل وتقليل فجوة العملة”.

 

ارتفاع أسعار الفائدة عالميًا يزيد من جاذبية السندات الأمريكية. تقلبات أسعار الطاقة تضيف عنصرًا جديدًا من الضغط. ومع أي توتر جيوسياسي، يعاد تسعير المخاطر.

 

البورصة المصرية أنهت تعاملات الإثنين بمكاسب 3 مليارات جنيه رغم تراجع EGX30، في إشارة إلى محاولة السوق امتصاص الصدمة. لكن سوق الدين أكثر حساسية. وأثره يمتد إلى سعر الصرف مباشرة.

 

يناير – فبراير – مارس 2026 قد تشهد تحركات إضافية إذا استمرت التوترات. الأرقام الحالية تمثل إشارة مبكرة. 12.6 مليار جنيه في جلسة واحدة ليست أزمة بذاتها. لكنها تذكير بكلفة الاعتماد على تدفقات قصيرة الأجل.

 

المعادلة واضحة. كلما ارتفع منسوب المخاطر، ارتفع الدولار. وكلما خرجت الأموال الساخنة، زاد الضغط على الجنيه. والسؤال لم يعد عن جلسة واحدة، بل عن قدرة السوق على امتصاص موجات تخارج متتالية إذا طال أمد الاضطراب الإقليمي.