أشعل قرار حكومة قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي، رفع أسعار البنزين والسولار وأنابيب الغاز بنحو 3 جنيهات موجة انتقادات سياسية واقتصادية واسعة، بعدما اعتبرت أحزاب وخبراء أن القرار يعمّق الضغوط المعيشية ويهدد بإطلاق موجة تضخم جديدة تضرب الأسواق.
جاءت الزيادة بنسب تراوحت بين 15% و30% في وقت يعاني فيه الاقتصاد من ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية لملايين المواطنين. القرار أثار تساؤلات حادة حول طريقة إدارة ملف الطاقة، خاصة أن الحكومة اتخذته رغم تراجع أسعار النفط عالميًا مقارنة بذروة الأسعار التي تجاوزت 120 دولارًا للبرميل خلال السنوات الماضية.
قرار الوقود يشعل الأسواق ويهدد بتضخم واسع
أثار قرار زيادة أسعار المحروقات ردود فعل سياسية واقتصادية غاضبة، إذ اعتبرت عدة أحزاب أن رفع الأسعار بهذه النسب سيؤدي حتمًا إلى زيادة تكاليف النقل والإنتاج، ما يعني انتقال الزيادة سريعًا إلى أسعار السلع والخدمات في الأسواق.
حزب المصريين الأحرار وصف القرار بأنه شديد الحساسية لأنه يمس مباشرة تكلفة المعيشة ويؤثر في جميع القطاعات الإنتاجية والخدمية. الحزب شدد على ضرورة أن تسبق هذه القرارات مصارحة مجتمعية واضحة تشرح أسبابها وتوقيتها والبدائل التي تمت دراستها قبل اتخاذها.
وأكد الحزب أن إدارة ملف الطاقة يجب أن تقوم على رؤية اقتصادية واضحة تشمل تنويع مصادر الطاقة، ومراجعة أولويات الإنفاق العام، وإعادة تقييم بعض المشروعات الكبرى التي تشكل ضغطًا على الموازنة في توقيت اقتصادي حساس.
الخبير الاقتصادي مدحت نافع يرى أن زيادة الوقود بهذا الحجم تعني عمليًا انتقال التضخم إلى كل القطاعات. ويقول إن الطاقة تمثل مدخلًا رئيسيًا في تكلفة الإنتاج والنقل، ولذلك فإن أي زيادة فيها تنعكس سريعًا على أسعار الغذاء والسلع الأساسية.
ويضيف أن الاقتصاد المصري يعاني بالفعل من تضخم مرتفع خلال السنوات الأخيرة، وأن زيادة الوقود قد ترفع تكاليف النقل بنسبة قد تصل إلى 20% في بعض القطاعات، ما يعني موجة ارتفاع أسعار جديدة خلال الأشهر المقبلة.
أحزاب تتهم الحكومة بتحميل المواطنين كلفة الاختلالات الاقتصادية
حزب المصري الديمقراطي الاجتماعي اعتبر أن زيادات الوقود التي تراوحت بين 15% و30% تمثل قفزات سعرية كبيرة في وقت يعاني فيه المواطنون من ضغوط معيشية غير مسبوقة.
الحزب قال إن تفسير الزيادة لا يمكن حصره فقط في التطورات الجيوسياسية في أسواق الطاقة، بل يرتبط أيضًا بمحاولة الحكومة معالجة اختلالات مالية داخل الموازنة العامة عبر نقل التكلفة إلى المواطنين.
وأشار الحزب إلى أن الحكومة قد تستخدم الزيادة لتغطية جزء من الالتزامات المالية الناتجة عن قرارات اجتماعية مثل رفع الحد الأدنى للأجور وزيادة معاشات برنامج تكافل وكرامة الذي يستفيد منه ملايين المواطنين.
أستاذ الاقتصاد رشاد عبده يرى أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب رؤية إنتاجية طويلة المدى للاقتصاد المصري. ويقول إن الاعتماد المستمر على رفع أسعار الوقود كوسيلة لخفض عجز الموازنة يضع عبئًا متزايدًا على الطبقة المتوسطة والفقيرة.
ويضيف أن الاقتصاد لا يمكن إصلاحه عبر إجراءات مالية قصيرة الأجل فقط، بل يحتاج إلى توسيع القاعدة الإنتاجية وزيادة الصادرات وتقليل الاعتماد على الديون والاقتصاد الريعي.
كما حذر الحزب من أن زيادة الوقود ستنعكس مباشرة على أسعار النقل والسلع الغذائية، ما قد يرفع تكلفة المعيشة على الأسر محدودة الدخل التي لا تملك القدرة على مواجهة صدمات تضخمية متكررة.
أزمة إدارة الطاقة وتوزيع غير عادل لأعباء الاقتصاد
من جانبه أعلن حزب المحافظين أن قرار زيادة أسعار المشتقات البترولية جاء في توقيت اقتصادي بالغ الحساسية. الحزب أشار إلى أن القرار يثير تساؤلات حول الأساس الاقتصادي الذي بُني عليه، خاصة مع تراجع أسعار النفط العالمية إلى نحو 90 دولارًا للبرميل مقارنة بذروة تجاوزت 120 دولارًا في السنوات الماضية.
كما لفت الحزب إلى أن لجنة تسعير المنتجات البترولية لم تعلن عقد اجتماع رسمي أو إصدار توصية واضحة بشأن تعديل الأسعار رغم أنها الجهة القانونية المختصة بتحديدها وفق معادلة تشمل سعر النفط العالمي وسعر الصرف وتكاليف الإنتاج.
أما حزب العدل فقد رفض القرار بشدة، منتقدًا رفع أسعار البنزين والسولار 3 جنيهات دفعة واحدة. الحزب اعتبر أن القرار يعكس خللًا واضحًا في إدارة ملف الطاقة ويحمّل المواطنين عبء السياسات الاقتصادية.
وأشار الحزب إلى أن الحكومة كانت تتحدث خلال السنوات الماضية عن اكتشافات كبيرة في قطاع الغاز وزيادات متوقعة في الإنتاج، لكن الواقع الحالي يكشف أن الاقتصاد أصبح أكثر انكشافًا لتقلبات أسعار الطاقة العالمية.
خبير الطاقة إبراهيم زهران يقول إن المشكلة ليست فقط في الأسعار العالمية بل في طريقة إدارة قطاع الطاقة محليًا. ويؤكد أن نقل صدمات الطاقة إلى المواطن في كل مرة ليس سياسة اقتصادية مستدامة.
ويشير زهران إلى مفارقة اقتصادية لافتة. ففي الوقت الذي ترتفع فيه أسعار الوقود والغاز على المواطنين، تحقق بعض الصناعات كثيفة استخدام الطاقة أرباحًا وفق الأسعار العالمية، بينما تحصل على الغاز بأسعار أقل بكثير من السعر الدولي.
ويرى أن استمرار هذا الاختلال في توزيع أعباء الأزمة يخلق اقتصادًا غير متوازن، حيث تتحمل الأسر العبء الأكبر بينما تستفيد بعض القطاعات الصناعية من أسعار طاقة منخفضة نسبيًا.
في ظل هذه التطورات تتزايد التحذيرات من أن قرار رفع أسعار الوقود قد يقود إلى موجة تضخم جديدة تضرب الأسواق خلال الفترة المقبلة. ومع استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، يتزايد الجدل داخل الأوساط السياسية والاقتصادية حول سياسات إدارة الاقتصاد والطاقة، وما إذا كان المواطن سيظل الحلقة الأضعف التي تتحمل تكلفة الأزمات المالية المتكررة.

