تصاعدت الانتقادات البرلمانية لقرار حكومة قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي، رفع أسعار البنزين والسولار والغاز وأنابيب البوتاجاز، بعدما اعتبر نواب أن الزيادات الجديدة تمثل حلقة جديدة في سلسلة سياسات اقتصادية نقلت عبء الأزمات المالية إلى المواطنين. القرار الذي رفع أسعار الوقود بنحو 3 جنيهات وبنسب وصلت إلى 30% أثار موجة من طلبات الإحاطة والأسئلة البرلمانية، وسط تحذيرات من موجة تضخم جديدة قد تضرب الأسواق في وقت تعاني فيه الأسر من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة.
أرقام الزيادات تكشف تضاعف أسعار الوقود خلال حكومة واحدة
كشف النائب فريدي البياضي عضو مجلس النواب أن الزيادة الأخيرة ليست مجرد تعديل محدود في الأسعار، بل تأتي ضمن مسار اقتصادي مستمر منذ تولي حكومة الدكتور مصطفى مدبولي السلطة في يونيو 2018.
البياضي أكد أن الأرقام تكشف حجم التحول الكبير في أسعار الطاقة خلال سنوات قليلة. فقد ارتفع سعر بنزين 80 من 5.50 جنيه للتر عام 2018 إلى نحو 20.75 جنيهًا حاليًا. كما ارتفع بنزين 92 من 6.75 جنيه إلى 22.25 جنيهًا، بينما قفز بنزين 95 من 7.75 جنيه إلى نحو 24 جنيهًا للتر.
أما السولار، وهو الوقود الأكثر ارتباطًا بحياة المواطنين اليومية، فقد ارتفع من 5.50 جنيه إلى 20.50 جنيهًا للتر، بزيادة تقارب 273% خلال فترة حكومة واحدة.
وأوضح البياضي أن خطورة السولار تكمن في استخدامه الواسع في النقل الجماعي ونقل البضائع والأنشطة الزراعية. لذلك فإن أي زيادة فيه تنعكس مباشرة على أسعار المواصلات والسلع الغذائية وتكاليف الإنتاج داخل الأسواق.
الخبير الاقتصادي مدحت نافع يقول إن ارتفاع أسعار الطاقة بهذا الشكل يخلق ما يسمى "تضخم التكاليف". ويضيف أن الوقود يدخل في تكلفة النقل والتصنيع والزراعة، ما يعني أن زيادة السولار تحديدًا تنتقل بسرعة إلى أسعار السلع الأساسية.
ويرى نافع أن الاقتصاد المصري يعاني بالفعل من ضغوط تضخمية مرتفعة، وأن أي زيادة جديدة في الوقود قد ترفع تكلفة النقل والسلع الغذائية بنسب قد تصل إلى 15% – 20% في بعض القطاعات.
ست زيادات خلال عامين تشعل مخاوف التضخم
أشار البياضي إلى أن العامين الأخيرين فقط شهدا ست زيادات متتالية في أسعار الوقود، وهو ما يؤكد أن الأمر لم يعد استجابة مؤقتة لتقلبات الأسواق العالمية، بل تحول إلى سياسة اقتصادية مستمرة.
وأوضح أن الحكومة تتحدث في المقابل عن زيادات في الأجور، لكن القيمة الحقيقية للدخل تآكلت بسبب التضخم وارتفاع الأسعار.
كما تقدم البياضي بطلب إحاطة للحكومة يطالب فيه بالكشف عن الإيرادات التي حققتها الخزانة العامة من الزيادات المتتالية في أسعار الوقود، إضافة إلى الإفصاح الكامل عن مكونات هيكل تسعير المنتجات البترولية.
النائب محمود سامي رئيس الهيئة البرلمانية للحزب المصري الديمقراطي أكد بدوره أن القرار الحكومي الأخير أثار قلقًا واسعًا لأنه شمل جميع أنواع المحروقات بما فيها البنزين والسولار والبوتاجاز.
وأشار إلى أن القرار يتناقض مع تعهدات حكومية سابقة بعدم رفع الأسعار حتى نهاية العام، مراعاة للظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها المواطن المصري.
الخبير الاقتصادي رشاد عبده يرى أن المشكلة لا تتعلق فقط بنسبة الزيادة، بل بتكرارها خلال فترة قصيرة. ويقول إن الاقتصاد لا يستطيع استيعاب زيادات متتالية في أسعار الطاقة دون أن يؤدي ذلك إلى موجة تضخم جديدة.
ويضيف أن الطبقة المتوسطة أصبحت الأكثر تضررًا من هذه السياسات، لأنها لا تستفيد من برامج الدعم المباشر وفي الوقت نفسه تتحمل معظم الزيادات في تكاليف المعيشة.
قفزات هائلة في أسعار الطاقة خلال 12 عامًا
بدورها كشفت النائبة مها عبد الناصر عضو مجلس النواب أرقامًا تعكس التحول الكبير في أسعار الطاقة خلال السنوات الماضية.
فقد ارتفع سعر الغاز الطبيعي للمنازل بين 2014 و2026 بنسبة تراوحت بين 900% و5000%، بحسب شرائح الاستهلاك المختلفة.
كما ارتفع سعر السولار من 1.10 جنيه عام 2014 إلى 20.5 جنيهًا حاليًا، بزيادة تقترب من 1764% خلال نحو 12 عامًا.
أما أنابيب البوتاجاز فقد قفز سعرها من 8 جنيهات إلى نحو 275 جنيهًا، بزيادة تقارب 3338% خلال الفترة نفسها.
كما أشارت عبد الناصر إلى أن الزيادات الأخيرة شملت رفع بنزين 80 بنسبة 17%، ورفع الغاز الطبيعي للسيارات بنسبة 30%، ورفع الغاز الطبيعي للمنازل بنسبة تراوحت بين 20% و30%، إضافة إلى زيادة أسعار أنابيب البوتاجاز بنحو 22%.
النائبة إيرين سعيد رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الإصلاح والتنمية طرحت بدورها تساؤلات حول معادلة تسعير الوقود، مشيرة إلى أن الرأي العام لا يعرف حتى الآن الوزن النسبي للعناصر التي تحدد السعر النهائي.
وأوضحت أن معادلة التسعير تشمل عدة عوامل مثل سعر خام برنت العالمي وسعر صرف الجنيه وتكاليف النقل والتكرير إضافة إلى الضرائب والرسوم، لكن الحكومة لم تعلن بشكل واضح نسبة كل عنصر داخل هذه المعادلة.
خبير الطاقة إبراهيم زهران يرى أن المشكلة ليست فقط في ارتفاع الأسعار بل في غياب الشفافية حول آلية التسعير. ويقول إن المواطن لا يعرف ما إذا كان السعر يعكس التكلفة الحقيقية أم يشمل ضرائب ورسومًا مرتفعة.
ويشير زهران أيضًا إلى مفارقة لافتة. ففي الوقت الذي تتحمل فيه الأسر زيادات متتالية في أسعار الوقود والغاز، تحقق بعض الصناعات كثيفة استخدام الطاقة أرباحًا وفق الأسعار العالمية بينما تحصل على الطاقة بأسعار أقل.
في ظل هذه الأرقام والانتقادات البرلمانية المتصاعدة، يتزايد الجدل داخل الأوساط السياسية والاقتصادية حول مستقبل سياسة تسعير الطاقة في مصر. ومع استمرار الضغوط المعيشية وارتفاع الأسعار، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: إلى متى سيظل المواطن المصري يتحمل العبء الأكبر من سياسات الإصلاح الاقتصادي وقرارات الطاقة المتكررة.

