بدأت طهران، صباح الأربعاء 11 مارس، مراسم تشييع عدد من القادة العسكريين الإيرانيين الذين سقطوا منذ بدء الهجوم الأمريكي الإسرائيلي، بينما كانت العاصمة نفسها تسمع دوي انفجارات متتالية وتفعيلًا للدفاعات الجوية.

 

المشهد جمع بين جنازات رسمية وتهديدات إيرانية جديدة للمصالح المالية الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة، وبين تسريبات إسرائيلية عن استهداف مؤسسة مرتبطة بترتيبات الخلافة داخل النظام الإيراني. بهذه الصورة دخلت الحرب مرحلة أكثر حساسية.

 

لم تعد المعركة عند حدود الضربات العسكرية فقط، بل امتدت إلى تماسك النظام نفسه، وإلى رسائل سياسية تقول إن طهران تريد أن تظهر أنها تقاتل وتشيّع وتعيد ترتيب بيتها الداخلي تحت النار. وتشير تغطيات حديثة إلى أن طهران عاشت ليلة من أعنف ليالي القصف منذ بدء الحرب في 28 فبراير، فيما استمرت الضربات على أهداف داخل العاصمة ومدن أخرى.

 

تشييع رسمي ورسالة تعبئة في قلب طهران

 

بدأت مراسم التشييع من ميدان الثورة في وسط طهران باتجاه “معراج الشهداء”، وفق ما أعلنته “مؤسسة الشهداء” التابعة لهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية، في إطار جنازة رسمية لعدد من القادة العسكريين الذين قُتلوا في الضربة الافتتاحية للحرب.

 

كما قالت وسائل إعلام ومنصات إيرانية إن العاصمة شهدت بالفعل انطلاق المراسم وسط حضور رسمي وتنظيم أمني كثيف. وتأتي هذه الجنازات بعد أيام من تثبيت مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى جديدًا لإيران، في خطوة قالت تقارير دولية إنها تعكس حرص المؤسسة الإيرانية على إظهار استمرارية الحكم رغم الضربات التي طالت رأس النظام والقيادات المحيطة به.

 

 

كما نشرت منصة “إيران الآن” أن مراسم تشييع عدد من القادة الذين استُهدفوا في بداية الهجوم انطلقت من ميدان الثورة، وهو ما ينسجم مع البيان الرسمي الإيراني بشأن مكان بدء الجنازة وخط سيرها.
 

 

ونشرت قناة “النجباء” مقطعًا مصورًا قالت إنه من مشهد مراسم تشييع “الشهداء” في طهران، بما يعزز صورة الحشد الرمزي الذي تريد السلطة الإيرانية تقديمه داخليًا وخارجيًا.

 

 

الخبير الإيراني حميد رضا عزيزي يرى أن النظام الإيراني بَنى مؤسساته الأمنية والسياسية بطريقة تسمح له بامتصاص الصدمات الكبرى من دون انهيار فوري، وأن تشييع القادة في هذا التوقيت ليس مجرد إجراء بروتوكولي، بل أداة لإظهار تماسك الدولة واستمرار التسلسل القيادي رغم الضربات. هذا التقدير ينسجم مع تقارير أمريكية تحدثت عن أن الحرب الواسعة لا تعني بالضرورة إسقاط النظام، لأن مؤسسات الخلافة والأجهزة الأمنية ما زالت قادرة على إعادة إنتاج القرار.

 

انفجارات متزامنة وتهديد بتوسيع بنك الأهداف

 

بالتوازي مع الجنازات، أفادت وسائل إعلام إيرانية، صباح الأربعاء 11 مارس، بسماع صوت مقاتلات حربية وانفجارات متتالية وقوية في العاصمة، مع ورود تقارير عن دوي انفجارات في غرب طهران وشرقها. التزامن بين التشييع والقصف حمل دلالة مباشرة. الحرب لم تمنح العاصمة وقتًا للفصل بين الدفن والرد، ولا بين الحشد الشعبي والحسابات العسكرية. تقارير إعلامية دولية وصفت الليلة السابقة بأنها من أعنف ليالي القصف على طهران منذ اندلاع الحرب، مع استمرار الغارات على مواقع قيادة وبنية تحتية داخل المدينة.

 

ونشرت “إيران إنترناشيونال عربي” أن دوي انفجارات متتابعة سُمع في غرب طهران وشرقها في وقت كانت فيه مراسم تشييع قادة الحرس الثوري مستمرة في العاصمة.

 

 

وفي السياق نفسه قالت “العربي” إن إيران هددت المصارف والبنوك الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة بالاستهداف، تزامنًا مع تفعيل الدفاعات الجوية في طهران أثناء تشييع ضحايا العدوان الأمريكي الإسرائيلي. هذا التهديد ينسجم مع تقارير حديثة تحدثت عن انتقال الرد الإيراني إلى أهداف اقتصادية ومالية وممرات تجارية، وليس فقط قواعد أو منشآت عسكرية، وهو ما يفتح نطاقًا أوسع للمواجهة ويزيد كلفتها الإقليمية.

 

 

د. سناء وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في “تشاتام هاوس”، كانت قد حذرت منذ الضربة الأولى في 28 فبراير من أن توسيع بنك الأهداف سيدفع طهران إلى ردود أكثر خطورة وأقل قابلية للضبط. هذا التقدير يبدو حاضرًا الآن مع انتقال الحديث من الرد العسكري التقليدي إلى تهديد البنوك والمصارف والمنشآت الاقتصادية، بما يعني أن الحرب تتجه إلى استنزاف متعدد الجبهات وليس إلى جولة خاطفة يمكن احتواؤها سريعًا.

 

الخلافة تحت النار والرواية الإسرائيلية تدفع الأزمة إلى الداخل

 

البيان الإيراني الرسمي أشار إلى تشييع شخصيات عسكرية بارزة، على رأسها وزير الدفاع العميد عزيز نصير زاده، إلى جانب أسماء أخرى مثل محسن دره باغي وعلي تاجيك وداود عسكري وبهرام حسيني مطلق وأبو القاسم بابائيان ورسول هلالي وغلام رضا رضائيان. كما قيل إن من بين الحاضرين في مراسم التشييع اللواء عبد الرحيم موسوي رئيس هيئة الأركان، واللواء محمد باكبور قائد الحرس الثوري، والأدميرال علي شمخاني، والجنرال محمد شيرازي.

 

وفي الوقت نفسه أفادت “تسنيم” بتأجيل مراسم تشييع جثمان علي خامنئي إلى موعد يُعلن لاحقًا، بينما استمرت الترتيبات الخاصة بالمراسم الأخرى في طهران. وتقارير غربية أكدت بالفعل أن عرض جثمان خامنئي للعامة تأجل عن الموعد المعلن، في إشارة إلى حساسية الملف الأمني والرمزي معًا.

 

الأخطر جاء من الرواية الإسرائيلية التي نقلتها “فوكس نيوز” ثم دعمتها تسريبات أمنية إسرائيلية لوسائل أخرى، ومفادها أن إسرائيل استهدفت اجتماعًا لـ“مجلس خبراء القيادة” في قم خلال نقاشات تتعلق باختيار مرشد جديد. وبحسب هذه الرواية فإن المبنى المستهدف يعود إلى الهيئة الدينية السياسية المكوّنة من 88 عضوًا، وهي الجهة التي يحمّلها الدستور الإيراني مسؤولية اختيار المرشد الأعلى.

 

لا توجد تفاصيل مستقلة كاملة عن حصيلة من كان داخل المبنى ساعة القصف، لكن مجرد طرح هذه الرواية يعني أن الحرب تجاوزت منطق ضرب القواعد والمطارات إلى محاولة التشويش المباشر على آلية انتقال السلطة داخل الجمهورية الإسلامية.

 

إيلي جيرانمايه، الباحثة في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، رأت أن اختيار مجتبى خامنئي نفسه كان رسالة مقاومة من داخل النظام، تقول إن القصف والاغتيالات لم يحققا “تغيير النظام” الذي يريده خصومه. ومن هذا المنظور فإن استهداف مجلس الخبراء، إذا صحت الرواية الإسرائيلية، لا يبدو مجرد ضربة تكتيكية، بل محاولة لتفكيك مركز إنتاج الشرعية في لحظة حرب.

 

لكن النتيجة حتى الآن تبدو معاكسة جزئيًا. النظام يشيّع قادته علنًا، ويجمع مؤسساته حول القيادة الجديدة، ويهدد بتوسيع الرد. هذا لا يعني أنه خرج سليمًا. لكنه يعني أن الحرب فتحت معركة على بقاء الدولة نفسها، لا على حدود جغرافية أو أهداف عسكرية فقط.