تكشف التطورات المتلاحقة في الشرق الأوسط أزمة أعمق من مجرد اشتباك عسكري جديد. فمع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، واستمرار العدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين، واتساع النار إلى لبنان وإيران، يعود الخطاب الرسمي العربي إلى عادته القديمة: مطالبة الشعوب بتحديد موقعها بين معسكرين، بدلًا من مساءلة السلطة عن غياب مشروعها هي، وعن ترك المجال الإقليمي مفتوحًا لمشروعات النفوذ والتفكيك.
المشكلة هنا ليست فقط في عنف الصراع، بل في الطريقة التي يُدار بها الوعي العام. يُعاد طرح السؤال نفسه كل مرة: مع من نقف؟ بينما السؤال الأخطر يظل مؤجلًا: لماذا لا تملك المنطقة، ومصر في قلبها، تصورًا سياسيًا مستقلًا يحمي مصالح الناس ويمنع تحويلهم إلى مادة خام في صراعات الغير؟ هذا هو الفراغ الذي تدفع المجتمعات ثمنه من أمنها، ومن سيادتها، ومن مستقبلها.
حرب تكشف عجز السياسة
الحرب لا تثبت قوة السياسة. الحرب تكشف فشلها. وهذه ليست عبارة إنشائية، بل خلاصة عملية لتجارب المنطقة من العراق إلى ليبيا إلى سوريا إلى السودان، حيث انتهت تدخلات الخارج إلى دول أضعف، ومؤسسات أكثر هشاشة، ومجتمعات أكثر انقسامًا. وفي هذا المعنى كتب عمرو حمزاوي أن الخلاص من حرائق الشرق الأوسط لا يكون إلا عبر ترتيبات إقليمية تقوم على السلام، واحترام السيادة، وحسن الجوار، والامتناع عن التدخل، وحماية كيان الدولة الوطنية، ورفض الميليشيات وحركات اللا-دولة.
ما تقوله هذه الرؤية بوضوح أن المنطقة لا تحتاج حربًا جديدة، كما لا تحتاج أيضًا السكوت عن مشاريع الهيمنة الإقليمية. وهنا يسقط الابتزاز السياسي الذي يُفرض على الرأي العام: إما أن تؤيد الحرب، أو تتسامح مع النفوذ. الحقيقة أن الموقف العقلاني يرفض الاثنين معًا. يرفض المشروع الإسرائيلي بوصفه مشروعًا استيطانيًا توسعيًا يفرض وقائع بالقوة، ويرفض كذلك المشروع الإيراني حين يتحول إلى شبكات نفوذ عابرة للحدود داخل المجال العربي.
لكن الإدانة وحدها لا تكفي. لأن السؤال الذي يجب أن يُوجَّه إلى الحكومات العربية، لا إلى الشعوب فقط، هو: ماذا فعلتم حتى لا تبقى المنطقة رهينة لهذه المشروعات؟ أين الرؤية السياسية العربية القادرة على حماية المجال الإقليمي، بدل الاكتفاء برد الفعل، أو إدارة الوقت، أو الاحتماء بشعارات السيادة من دون مضمون فعلي؟
غياب المشروع العربي
الفراغ العربي ليس صدفة. هو نتيجة فشل طويل في بناء مشروع ذاتي يتجاوز الحسابات الفئوية والزعامات الفردية. حسن نافعة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، يلفت إلى أن النظام العربي له خصوصية تميّزه عن غيره، لأنه لا يتكون فقط من دول متجاورة، بل من شعوب ترتبط بروابط تاريخية وثقافية عميقة وتنتمي إلى أمة عربية تتطلع يومًا إلى صيغة جامعة.
هذا المعنى مهم لأنه يضع الإصبع على الجرح الحقيقي. كانت هناك في مراحل سابقة محاولات للوحدة والتكامل العربي، من مصر وسوريا إلى تصورات أوسع للتجميع الإقليمي، لكنها تعثرت تحت ضغط الاستبداد المحلي، وصراعات الزعامة، والتدخلات الخارجية، وصعود المشروع الصهيوني الذي جعل تفتيت المجال العربي مصلحة استراتيجية دائمة له. الفشل هنا لم يكن فكريًا فقط، بل كان فشلًا سياسيًا لنخب حكمت باسم الدولة بينما أضعفت شروط قيامها الفعلي.
ومن هنا يصبح الحديث عن “اختيار المعسكر” مجرد هروب من أصل الأزمة. لأن الأمم لا تُقاس بقدرتها على الاصطفاف خلف قوة أكبر، بل بقدرتها على إنتاج مصلحة ذاتية، ومؤسسات تدافع عنها، وخيال سياسي يتجاوز إدارة الخسارة. ما حدث في الإقليم خلال السنوات الماضية هو العكس تمامًا: تفسخ في عدد من الدول، وتراجع في المعنى الجامع، وتآكل في القدرة على الفعل المستقل.
حين تضعف فكرة الدولة
الدولة لا تعيش بالحدود وحدها. تعيش بفكرتها في وعي الناس. وحين تتآكل هذه الفكرة، يصبح الانتماء الطائفي أو القبلي أو الأيديولوجي بديلًا عن الانتماء الوطني، وتتحول البلاد إلى ساحة مباحة للتدخل الخارجي. المؤرخ خالد فهمي، المتخصص في تاريخ الدولة المصرية الحديثة، يذهب إلى أن تشكّل الدولة الحديثة في مصر ارتبط تاريخيًا بممارسات السيطرة والتجنيد وبناء المؤسسات، لكنه لم يُنتج بالضرورة مفهومًا للمواطنة كما تطور في أوروبا.
هذه الفكرة تفسر جانبًا من المأزق الحالي. فوجود مؤسسات لا يعني تلقائيًا وجود دولة وطنية راسخة. وامتلاك جيش أو جهاز إداري كبير لا يعني أن المجتمع محصّن ضد التفكك أو الاستقطاب أو التلاعب. الدولة القوية لا تُقاس فقط بقدرتها على فرض الأمر الواقع، بل بقدرتها على بناء مواطن، وقانون، ومؤسسات تعمل وفق قواعد عامة لا وفق الولاء والاصطفاف والخوف.
لهذا تبدو مصر، بحكم وزنها السكاني والثقافي والسياسي، أمام اختبار يتجاوز حدودها. ليس المطلوب أن تقود المنطقة بشعارات كبرى، بل أن تقدم نموذج دولة متماسكة تُعيد الاعتبار للسيادة، وللمواطنة، ولحكم المؤسسات. أما الاستمرار في إدارة المشهد بمنطق الأمن وحده، أو الاكتفاء بردود فعل دبلوماسية متأخرة، فلن ينتج إلا مزيدًا من الدوران داخل صراعات الآخرين، فيما يبقى الإنسان العربي آخر من يُسأل عن حقه في دولة تحميه.

