كشفت حصيلة أعدتها وكالة الأناضول استنادا إلى بيانات وكالة الأنباء اللبنانية ووزارة الصحة اللبنانية، الجمعة 1 مايو، عن مقتل 10 أشخاص وإصابة 16 آخرين في غارات إسرائيلية استهدفت بلدات وقرى جنوبي لبنان منذ الفجر، رغم سريان هدنة مؤقتة بدأت في 17 أبريل وجرى تمديدها حتى 17 مايو، في مشهد يؤكد أن وقف إطلاق النار تحول إلى عنوان سياسي بلا حماية فعلية للمدنيين.
تأتي هذه الغارات بعد أيام من تصعيد إسرائيلي علني، إذ هدد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس لبنان بـ"نار تحرق البلد بأكمله"، عقب توجيه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بتصعيد عسكري، وهو ما يجعل القصف الأخير امتدادا لقرار سياسي إسرائيلي لا مجرد اشتباك ميداني عابر، بينما يدفع سكان الجنوب اللبناني ثمن هدنة لا تمنع الطيران ولا توقف المدفعية.
هدنة على الورق وغارات على الأرض
بدأت الهدنة المؤقتة في 17 أبريل لمدة 10 أيام، ثم جرى تمديدها حتى 17 مايو، غير أن الوقائع الميدانية في الجنوب اللبناني أظهرت أن إسرائيل واصلت الغارات الجوية وعمليات تفجير المنازل والقصف المدفعي في عشرات القرى، ما جعل الاتفاق عاجزا عن حماية السكان أو تثبيت عودة آمنة للنازحين.
وفي قضاء النبطية، انتشلت فرق الدفاع المدني والإسعاف من مركز كفررمان 5 جثامين من تحت أنقاض مبنى استهدفته غارة إسرائيلية، وهي حصيلة تعكس طبيعة الاستهداف الذي يضرب مناطق مأهولة ثم يترك فرق الإنقاذ أمام مهمة البحث عن الضحايا تحت الركام، بينما يستمر القصف في محيط المنطقة نفسها.
كما استهدفت غارة إسرائيلية بلدة ديرقانون راس العين، ما أدى إلى مقتل شخصين وإصابة شخصين آخرين، في وقت قتلت لبنانية وأصيب 4 آخرون جراء قصف منزل في بلدة عين بعال شرق مدينة صور، وهو ما يوسع دائرة الخسائر من المباني والمنشآت إلى العائلات المقيمة داخل بيوتها.
وفي النبطية الفوقا، أسفرت غارة جديدة عن مقتل شخصين وإصابة 10 آخرين، لتتحول المحافظة إلى واحدة من أكثر نقاط التصعيد دموية خلال يوم واحد، بالتوازي مع غارات طالت مدينة صور ودراجة نارية في بلدة المنصوري وبلدتي مجدل زون وطيرحرفا.
الجنوب بين الطيران والمدفعية وتفجير المنازل
لم تقتصر الاعتداءات على الغارات الجوية، إذ استهدفت إسرائيل قضاء بنت جبيل بغارات على بلدة برعشيت، بينما تعرضت بلدة كونين لقصف مدفعي، وطال القصف المدفعي الأطراف الغربية لبلدتي بني حيان وطلوسة، في توسع ميداني يضع القرى الحدودية تحت ضغط مستمر حتى خارج لحظات الغارات المباشرة.
وفي الوقت نفسه، تعرض وادي الحجير وبلدات فرون والغندورية وتولين والصوانة وقلاوية لقصف مدفعي متقطع، ما يعني أن إسرائيل استخدمت نمطا متعددا من الاستهداف يجمع بين الطيران والمدفعية والتفجير الميداني، ويجعل الحياة اليومية في الجنوب مرهونة بصوت المسيرات والمدافع.
كما نفذت القوات الإسرائيلية عملية تفجير في منطقة حامول الناقورة جنوبي لبنان، ضمن سياسة ميدانية تستهدف المنازل والمناطق القريبة من الحدود، وهو ما يعمق أزمة السكان الذين يحاولون البقاء في قراهم أو العودة إليها في ظل هدنة لا تمنحهم ضمانة حقيقية.
وتؤكد تقارير دولية أن الغارات الإسرائيلية على الجنوب لم تتوقف رغم إعلان وقف إطلاق النار، فقد قالت وكالة أسوشيتد برس إن غارات الجمعة أدت إلى مقتل 10 أشخاص على الأقل، بينهم مدنيون، بينما تحدثت عن استمرار الهجمات في الجنوب رغم الهدنة القائمة منذ منتصف أبريل.
تصعيد سياسي يفتح الطريق لمزيد من القصف
تزامن القصف مع تصريحات إسرائيلية شديدة اللهجة، فقد أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن لبنان قد يواجه "نارا" واسعة، وجاء ذلك بعد يومين من توجيهات نتنياهو بالتصعيد، ما يكشف أن القرار العسكري الإسرائيلي يسبق الوقائع الميدانية ويضع البلد كله تحت تهديد العقاب الجماعي.
ويأتي هذا التصعيد ضمن سياق أوسع بدأ منذ 2 مارس، عندما شنت إسرائيل عمليات واسعة في لبنان بعد دخول حزب الله على خط التصعيد الإقليمي، وتشير بيانات وزارة الصحة اللبنانية إلى أن حصيلة القتلى منذ ذلك التاريخ تجاوزت 2600 شخص، مع أكثر من 8000 مصاب، وهو رقم يوضح حجم الكلفة الإنسانية للحرب المفتوحة.
ورغم أن إسرائيل تبرر عملياتها باستهداف مواقع لحزب الله ومخازن أسلحة ومقاتلين، فإن الأرقام المعلنة لبنانيا عن سقوط مدنيين وإصابات داخل المنازل تكشف أن كلفة القصف تتجاوز الرواية العسكرية الإسرائيلية، خصوصا عندما تضرب الغارات بلدات مأهولة وتستدعي فرق الإنقاذ لانتشال ضحايا من تحت الأنقاض.
وتزيد خطورة المشهد مع بقاء مناطق جنوبية تحت تهديد مستمر، حيث يواصل سكان قرى الحدود مواجهة النزوح والخوف من القصف والدمار، بينما يعجز اتفاق الهدنة عن فرض التزامات واضحة على إسرائيل أو ضمان آلية تمنع تكرار الغارات والتفجيرات اليومية.
في المحصلة، لا يكشف يوم الجمعة في جنوب لبنان عن خرق منفرد لوقف إطلاق النار، بل يكشف عن هدنة منقوصة تسمح لإسرائيل بمواصلة الضغط العسكري تحت غطاء سياسي مؤقت، وتترك القرى اللبنانية بين القصف والإنقاذ والدفن، فيما تبدو المؤسسات الدولية عاجزة عن تحويل الهدنة من ورقة تفاوض إلى حماية فعلية للناس.

