تضغط موجة الغلاء الأخيرة على الأسر المصرية من أكثر من باب في وقت واحد، بعدما قفزت أسعار الخضراوات الأساسية، وارتفعت الدواجن واللحوم الحمراء، ثم لحقتها زيادة جديدة في أسعار الوقود والغاز، لتتحول كلفة الغذاء والنقل معاً إلى عبء يومي يتجاوز قدرة أصحاب الدخول الثابتة على الاحتمال. وفي سوق يعرف الدولة تفاصيله مسبقاً، من العروات الزراعية إلى تكاليف الأعلاف والنقل، يبدو الانفلات الحالي دليلاً على عجز واضح عن التدخل المبكر، لا مجرد أزمة موسمية طارئة يمكن تبريرها بزيادة الطلب أو اضطراب الطقس أو التوترات الإقليمية.

 

الأرقام وحدها تكشف حجم الأزمة: الطماطم قفزت 200%، والخيار 166%، والباذنجان 100%، بينما ارتفعت الدواجن إلى نحو 125 جنيهاً للكيلو، وصعدت اللحوم الحمراء إلى 450 جنيهاً، بالتوازي مع رفع أسعار البنزين والسولار والغاز بنسب تراوحت بين 14% و30%. هكذا لا يواجه المواطن زيادة عابرة في سلعة واحدة، بل سلسلة مترابطة من القرارات والاختلالات التي تدفع السوق كله إلى أعلى، وتترك محدودي الدخل وحدهم أمام فاتورة غلاء لا تتوقف، في ظل غياب قدرة حكومية حقيقية على ضبط الأسعار أو حماية المستهلك من اتساع النزيف المعيشي.

 

سوق بلا كوابح

 

بدأت الأزمة من الخضراوات، لكنها لم تتوقف عندها. أسعار الطماطم قفزت خلال مارس إلى 30 جنيهاً للكيلو بعد أن كانت 10 جنيهات، بزيادة 200%. الخيار صعد إلى 40 جنيهاً بزيادة 166%. الباذنجان ارتفع 100%. البطاطس زادت 87%. والبصل 50%. هذه الأرقام لا تعكس مجرد اضطراب موسمي عابر، بل تعكس سوقاً بلا أدوات فعالة للضبط، وحكومة تكتفي بترديد الأسباب بعد وقوع الصدمة، بدلاً من التدخل قبل انفجارها.

 

الحكومة تُرجع القفزة إلى تراجع المساحات المزروعة وارتفاع مستلزمات الإنتاج وزيادة الطلب في رمضان. لكن هذا التفسير يدينها أكثر مما يبرئها. لأن كل هذه العوامل معروفة سلفاً. رمضان ليس مفاجأة. والعروات الزراعية ليست حدثاً استثنائياً. وارتفاع أسعار التقاوي والمبيدات والمواد المستوردة كان قائماً قبل وصول الطماطم إلى هذا المستوى. معنى ذلك أن الدولة رأت المؤشرات المبكرة ولم تبنِ آلية حماية حقيقية للسوق ولا للمستهلك.

 

ويقول حسين عبدالرحمن، نقيب الفلاحين، إن زراعة عروة الطماطم الحالية تراجعت بنحو 33%، لتسجل 100 ألف فدان فقط مقابل 150 ألفاً في الموسم الماضي، كما انخفضت مساحة الخيار بنحو 50% إلى 10 آلاف فدان. هذا التراجع لم يحدث في يوم واحد. وهو يكشف أن ضعف العائد في المواسم السابقة دفع المزارعين لتقليص الزراعة، بينما لم تقدم الحكومة سياسة مستقرة تضمن سعراً عادلاً للمنتج وتمنع في الوقت نفسه انفلات السعر على المستهلك. وحين تهبط الطماطم إلى ما دون تكلفة الإنتاج، ثم تقفز لاحقاً إلى مستويات قياسية، فهذه ليست دورة طبيعية فقط، بل نتيجة مباشرة لغياب الإدارة.

 

ولا تقف المشكلة عند محصول واحد. عبدالرحمن يشير أيضاً إلى أن الطماطم تقود حركة أسعار الخضراوات كلها، وأن البرودة أبطأت نمو بعض المحاصيل الورقية والسريعة التأثر بالمناخ، مثل الكوسة والجرجير، فيما تبلغ المساحة السنوية المزروعة بالطماطم في مصر نحو 500 ألف فدان موزعة على عروات متعددة. كان يفترض أن تسمح هذه المعرفة الدقيقة للسوق ببناء مخزون وتوزيع ومتابعة أفضل. لكن ما حدث هو العكس تماماً: المواطن تُرك في مواجهة سعر يومي متقلب، والحكومة اكتفت بالتحذير اللفظي من رفع الأسعار.

 

الوقود يوسع الأزمة

 

جاءت زيادة الوقود لتوسع دائرة الغلاء بدلاً من احتوائها. فقد رفعت الحكومة أسعار الوقود والغاز بين 14% و30% في مارس، في ثالث زيادة خلال 12 شهراً، مع رفع البنزين والسولار بقيمة 3 جنيهات للتر، وصعود غاز السيارات إلى 13 جنيهاً للمتر المكعب. ووفق الأسعار المعلنة، ارتفع بنزين 95 إلى 24 جنيهاً، وبنزين 92 إلى 22.25 جنيهاً، وبنزين 80 إلى 20.75 جنيهاً، والسولار إلى 20.5 جنيهاً للتر. هذه ليست أرقاماً معزولة. إنها تكلفة إضافية على النقل والزراعة والتوزيع والتخزين، أي على كل سلعة تصل إلى بيت المصري.

 

بعض المتعاملين في السوق ربطوا موجة الغلاء بتداعيات الحرب على إيران، وما فرضته من زيادات في الشحن والتأمين والتجارة. لكن حتى إذا صح هذا العامل الخارجي، فإن الحكومة اختارت في اللحظة نفسها أن تضيف عبئاً داخلياً مباشراً عبر رفع الوقود. بذلك صار المستهلك محاصراً من الخارج والداخل معاً. وحين خرج عبد الفتاح السيسي ملوحاً بإحالة المتلاعبين بالأسعار إلى القضاء العسكري، لم يتغير جوهر الأزمة. لأن السوق لا ينضبط بالوعيد وحده، بل بسياسات عرض ورقابة وتكلفة وإتاحة، وهي كلها حلقات بدت أضعف من أن تمنع الانفجار.

 

والنتيجة ظهرت سريعاً في أرقام التضخم. فقد تسارع التضخم السنوي في المدن المصرية إلى 13.4% في فبراير مقابل 11.9% في يناير، بينما سجلت مجموعة الطعام والمشروبات ارتفاعاً بنسبة 4.6% في فبراير مقابل 1.9% في يناير. هذه الزيادة سبقت الأثر الكامل لرفع الوقود، ما يعني أن الضغوط كانت قائمة بالفعل قبل إضافة تكلفة جديدة على كل حركة نقل وكل مدخل إنتاج. لذلك لا يبدو الحديث الرسمي عن موجة مؤقتة مطمئناً، بقدر ما يبدو محاولة لشراء الوقت.

 

أصحاب المعاشات يدفعون الثمن

 

في سوق الدواجن، تتكرر الصورة نفسها. الأسعار للمستهلك ارتفعت 25% مقارنة بالشهر السابق ووصلت إلى 125 جنيهاً للكيلو، بينما قفز سعر البانيه 50% إلى 300 جنيه. ويقول سامح السيد، رئيس شعبة الدواجن في غرفة الجيزة التجارية، إن السبب يرتبط بنقص المعروض، وتقلبات الطقس، ونفوق كميات من الطيور، إلى جانب صعود الأعلاف إلى نحو 25 ألف جنيه للطن. وفي تصريحات منشورة لاحقاً، أوضح أن سعر الكيلو يدور حول 100 جنيه في المزرعة ويصل إلى 125 أو 130 جنيهاً للمستهلك، ما يكشف اتساع الفجوة بين تكلفة الإنتاج وسعر البيع النهائي. هذه الفجوة لا تصنعها الطبيعة وحدها، بل يوسعها غياب الرقابة الفعالة على حلقات التداول.

 

الأعلاف تمثل نحو 70% من مكونات إنتاج الدواجن والبيض واللحوم والألبان. لذلك فإن أي صعود فيها ينتقل فوراً إلى موائد الناس. لكن الأزمة هنا أيضاً أعمق من رقم علف أو دورة إنتاج تستغرق 45 يوماً. الحكومة تعرف حساسية هذا القطاع، وتعرف أن تقلبه يضرب البروتين الأرخص نسبياً للمصريين، ومع ذلك لم تنجح في بناء توازن يمنع الزيادات الحادة. والنتيجة أن الأسرة التي هربت من اللحوم إلى الدواجن، وجدت الدواجن نفسها تقفز بعيداً.

 

أما في اللحوم الحمراء، فيقول محمد ريحان، عضو شعبة القصابين، إن الأسعار ارتفعت بنحو 22% لتصل إلى 450 جنيهاً للكيلو مقابل 370 جنيهاً في الشهر السابق، مدفوعة بارتفاع الدولار، وصعود الأعلاف، ونقص المعروض. هنا يكتمل المشهد: الخضار ترتفع، والدواجن ترتفع، واللحوم ترتفع، ثم تأتي زيادة الوقود لتدفع كل بند إلى مستوى أعلى. في هذه الدائرة، لا يملك صاحب المعاش أي مساحة للمناورة. هو لا يعيد ترتيب أولوياته فقط، بل يعيد تعريف احتياجاته الأساسية على أساس ما يستطيع الاستغناء عنه أولاً، لا ما يحتاجه فعلاً.

 

المشكلة إذن ليست في عروة زراعية متأخرة، ولا في برد مفاجئ، ولا في حرب بعيدة فقط. المشكلة في حكومة لم تنجح في حماية السوق من التقلب الحاد، ولم توفر آلية تمنع انتقال الصدمات كلها إلى جيب المستهلك دفعة واحدة. وبينما تستمر التبريرات، يخرج سيد محمد من السوق بكيس أخف كل مرة. وهذا هو المعنى الفعلي لفشل ضبط الأسعار: أن يتحول الغلاء من خبر اقتصادي إلى اقتطاع يومي من طعام النا