تكشف أزمة نسبة الـ5% لذوي الهمم خللاً أعمق من مجرد تعثر إداري.

فالقانون موجود منذ 2018، ويلزم الجهات الحكومية وغير الحكومية وأصحاب العمل الذين يستخدمون 20 عاملاً فأكثر بتعيين ما لا يقل عن 5% من الأشخاص ذوي الإعاقة.

لكن الشكاوى المتصاعدة من الخريجين والأسر تؤكد أن النص القانوني لم يتحول إلى حماية فعلية، وأن الحكومة تركت الحق معلقاً بين المكاتب واللوائح والاختبارات والقرارات المتضاربة.

 

تمتد الأزمة من سوق العمل إلى المدارس والجامعات.

في كل ملف تظهر الفجوة نفسها. إعلان رسمي عن دمج وتمكين، ثم تنفيذ مرتبك أو محدود، ثم غياب للمحاسبة.

النتيجة واحدة: استبعاد عملي لفئات يفترض أن تكون مشمولة بالحماية القانونية، مع بقاء الدولة في موقع المتفرج على مؤسسات لا تلتزم بما يفرضه القانون.

 

حق العمل بين القانون والبوابات المغلقة

 

يفضح ملف التوظيف عجز الحكومة عن أداء واجبها الأساسي في الرقابة والتنفيذ.

فالقانون لم يترك المسألة للاجتهاد، بل ألزم جهات العمل بتعيين نسبة 5% على الأقل من الأشخاص ذوي الإعاقة، وربط ذلك بمتابعة من الجهات المختصة.

ومع ذلك، لا تزال النسبة في حالات كثيرة مجرد خانة على الورق، بينما يصطدم المتقدمون بحواجز إدارية ومنافسات لا تراعي طبيعة الفئة التي خُصص لها الحق أصلاً.

 

وتقول د. هبة هجرس إن القانون 10 لسنة 2018 وسّع الالتزام بالتعيين ليشمل المنشآت التي يعمل بها 20 عاملاً فأكثر، بعد أن كان الحد الأعلى في النظام الأقدم أضيق، كما شدد العقوبات على الجهة التي لا تلتزم بالنسبة المقررة.

هذا يعني أن المشكلة ليست في غياب السند التشريعي، بل في غياب التفتيش الفعلي، وغياب الجزاء الرادع، وترك جهات التوظيف تتعامل مع النسبة كالتزام شكلي لا كحق واجب النفاذ.

وفي مسابقات الجهاز الإداري للدولة تتخذ الأزمة شكلاً أكثر قسوة.

فبدلاً من تكييف شروط القبول مع فلسفة الدمج، تُفرض اختبارات بدنية واشتراطات لياقة وُصفت بأنها أقرب إلى معايير الاستبعاد منها إلى معايير الاختيار.

الباحث الحقوقي إسحق إبراهيم يرى أن فرض اختبارات مثل الجري والوثب للنساء، وتمارين الضغط والبطن للرجال، يحول حق العمل إلى مسار مغلق أمام ذوي الإعاقة، كما يضر أيضاً الحوامل ومن يعانون السمنة. هنا لا تغيب الكفاءة المهنية فقط، بل يغيب معها المنطق القانوني نفسه.

 

قرارات التعليم المرتبكة

 

في ملف التعليم، لم تبدُ الصورة أفضل.

فقد أصدرت وزارة التربية والتعليم في 27 فبراير 2024 كتاباً دورياً يخصص نسبة 5% زيادة على الكثافة المقررة لقبول الطلاب ذوي الإعاقة البسيطة في المدارس الخاصة بنوعيها والمدارس الدولية.

لكن الارتباك ظهر سريعاً في التطبيق والخطاب الرسمي، إلى درجة أن الوزارة اضطرت في 13 مارس 2024 إلى نفي ما تردد عن إلغاء هذا التخصيص، بعد جدل واسع بشأن شروط قبول الطلاب في المدارس الرسمية الدولية.

 

هذا الارتباك الإداري لا يمكن اعتباره تفصيلاً عابراً.

فالأسر لا تبني قراراتها على بيانات نفي، بل على قواعد مستقرة قابلة للتنفيذ.

وعندما تصدر الوزارة قراراً ثم يتحول بعد أيام إلى مادة للالتباس والتأويل، فإنها لا تدير دمجاً تعليمياً، بل تفتح باباً جديداً للرفض والمماطلة داخل المدارس الخاصة والدولية.

وبين القرار والنفي، يبقى الطالب وأسرتُه في مواجهة نظام تعليمي لا يقدم ضمانة واضحة ولا مساراً مستقراً.

 

ويظهر الخلل نفسه في الجدل الذي تفجر لاحقاً حول قبول ذوي الهمم في المدارس الدولية.

فقد وجه المحامي بالنقض عمرو عبدالسلام إنذاراً رسمياً إلى وزير التعليم، واعتبر منع قبول الطلاب ذوي الهمم انتهاكاً صارخاً لمبدأ المساواة وتكافؤ الفرص، ومخالفة لأحكام الدستور والتزامات مصر الدولية.

وهذه ليست مجرد معركة قانونية منفصلة، بل دليل على أن الحكومة لم تنجح في فرض قواعد دمج ثابتة على المؤسسات التعليمية، ولم توفر آلية حاسمة تمنع التمييز قبل أن يصل إلى ساحات النزاع والإنذارات القضائية.

 

وتتذرع مدارس خاصة بكثافة الفصول لتبرير الرفض. لكن السبب الفعلي، كما تشير الوقائع الميدانية، يرتبط بكلفة التهيئة، ونقص الأخصائيين، ورفض الاستثمار في بنية تعليمية دامجة.

وحين تترك الحكومة هذه المبررات من دون رقابة صارمة، فإنها تنقل عبء التقصير من المؤسسة إلى الطفل.

وتتحول سياسة الدمج من حق ملزم إلى خدمة انتقائية تمنحها المدرسة متى شاءت وتحجبها متى شاءت.

 

منح رمزية وتمويل بلا أثر

 

ولا يبدو التعليم العالي بعيداً عن هذا النمط.

ففي 6 فبراير 2026 أعلنت جامعة أسيوط فتح باب التقديم لمنحتين فقط لطلاب الدراسات العليا من ذوي الهمم، على أن يبدأ التقديم في 8 فبراير ويستمر حتى 12 فبراير، مع تغطية الرسوم الدراسية للماجستير أو الدكتوراه لمدة تصل إلى 5 سنوات.

القرار في حد ذاته محدود إلى حد يكشف الأزمة بدل أن يحلها، لأن منحتين سنويتين لا يمكن تقديمهما باعتبارهما استجابة جدية لاحتياجات شريحة واسعة تسعى إلى استكمال تعليمها العالي.

 

ويشرح د. جمال بدر، نائب رئيس جامعة أسيوط لشؤون الدراسات العليا والبحوث، أن المنحة تخضع لشروط طبية وإجرائية وتقييم من لجنة متخصصة.

لكن جوهر المشكلة لا يتعلق بآلية الاختيار وحدها، بل بضآلة العدد نفسه. فعندما يكون السقف هو منحتين فقط، فإن الدولة لا تؤسس لمسار إتاحة مستدام، بل تقدم لفتة محدودة لا تمس أصل التهميش الأكاديمي القائم.

 

وتزداد المفارقة وضوحاً إذا وُضعت هذه الوقائع بجوار ما أُعلن في يناير 2026 عن تخصيص 10 مليارات جنيه لصندوق "قادرون باختلاف".

فالرقم كبير في البيانات، لكنه يفقد معناه حين تبقى نسبة الـ5% معطلة في التوظيف، ويظل الدمج المدرسي أسير الارتباك، ويأتي الدعم الجامعي في صورة منحتين فقط.

هذه ليست أزمة موارد فقط، بل أزمة إرادة تنفيذية ومحاسبة علنية وشفافية غائبة. ومن دون ذلك ستظل الحكومة تعلن حقوقاً لا تضمنها، وتمول صناديق لا يلمس الناس أثرها في العمل ولا في المدرسة ولا في الجامعة.