يواجه الجنيه المصري أزمة حادة في قيمته التبادلية أمام عملات عربية مثل الدينار العراقي والليرة اللبنانية والريال اليمني، رغم أن تلك الدول تعيش في ظل حروب أهلية وانهيارات اقتصادية مدوية.
هذا التناقض يثير تساؤلات عميقة حول الأسباب الهيكلية والسياسات النقدية في مصر، حيث يصل سعر صرف الدينار العراقي الواحد إلى نحو 25 جنيهًا مصريًا، بينما الليرة اللبنانية تحافظ على قيمة نسبية رغم انهيارها السابق.
الأسباب الهيكلية والاقتصادية لضعف الجنيه
يعود انهيار الجنيه المصري أساسًا إلى عجز مزمن في الميزان التجاري يتجاوز 50 مليار دولار سنويًا، مما يجعل مصر معتمدة بشكل كبير على الواردات الأساسية مثل الغذاء والوقود دون قدرة تصديرية مقابلة.
يشرح د. مدحت نافع، الخبير الاقتصادي البارز، أن هذا التراجع ناجم عن "التوترات الجيوسياسية التي أدت إلى موجة تخارج من أذون الخزانة المصرية"، مشيرًا إلى أن مرونة الطلب على الدولار تزداد في مواسم الاستيراد، مما يضغط على العملة المحلية رغم استقرار نسبي في أسعار النفط العالمية.
ويبرز هذا العجز الفرق مع دول مثل العراق، حيث يدعم النفط الدينار رغم الحرب، بينما تعاني مصر من غياب تنويع الاقتصاد بعيدًا عن السياحة وقناة السويس، اللتان تتأثران بالتوترات الإقليمية.
تحذيرات الخبراء الاقتصاديين
يذهب د. عبدالمطلب عبدالنبي أبعد في تحليله، محذرًا من أن "التعويم المتكرر للجنيه دون استخدام الاحتياطي النقدي يمثل كارثة اقتصادية"، خاصة مع ارتفاع الالتزامات الخارجية إلى مستويات قياسية.
في السياق نفسه، يشير د. مراد علي إلى انخفاض الجنيه بنسبة 55% مقابل الدولار خلال عامين فقط، و71% أمام اليورو، معتبرًا أن أي تحسن مؤقت ناتج عن "مال ساخن" غير مستدام يتدفق من خلال استثمارات قصيرة الأجل.
تتفق هذه الآراء على أن الاقتصاد المصري، الذي يسيطر فيه القطاع العام والمؤسسات السيادية على 40-60% من النشاط، يفتقر إلى التنافسية العالمية، مما يجعل الجنيه أضعف من عملات مدعومة نفطياً أو بمعونات خارجية في دول الحرب.
العوامل الإقليمية وتأثيرها على الجنيه
أدت الحروب الإقليمية في غزة ولبنان إلى تراجع السياحة المصرية بنسبة 30%، كما تأثرت إيرادات قناة السويس بسبب هجمات الحوثيين، مما زاد الضغط على احتياطي العملة.
يقول هاني توفيق إن "الجنيه ينهار بسبب تراكم الديون والفساد"، مقترحًا تغيير شكل العملة لإخراج مليارات الجنيهات المخزنة في المنازل، وهو حل جذري يهدف إلى تعزيز الثقة ومكافحة السوق الموازية.
تفسر هذه العوامل الهيكلية لماذا يظل الجنيه أضعف من الليرة اللبنانية، التي استفادت من دعم خليجي مؤقت رغم انهيارها السابق.
سياسات الصرف النقدي والتضخم
أدت سياسات البنك المركزي المصري السابقة في تثبيت سعر الصرف إلى ظهور سوق سوداء مزدهرة، حيث انخفضت تحويلات المغتربين من 28 مليار دولار إلى 16 مليارًا فقط، كما توضح د. عالية المهدي.
تحرير سعر الصرف في مارس 2024 أنهى هذه السوق جزئيًا، لكنه لم يحل المشكلة الأساسية: التضخم المحلي الذي يفوق 25% سنويًا، مقارنة بمعدلات أقل في الدول العربية المتضررة من الحروب.
تؤكد د. سالي صلاح أن الجنيه فقد 80% من قوته الشرائية منذ 2016، مع دين عام يبلغ 20 تريليون جنيه (130% من الناتج المحلي الإجمالي)، يلتهم 179% من الإيرادات الحكومية، مما يجعل أي استقرار وهمًا.
ينتقد ممدوح الولي "سياسة العناد" لمحافظ البنك المركزي، مشددًا على ضرورة سياسات صرف مرنة تتناسب مع الواقع الاقتصادي.
في المقابل، يرى د. مراد علي أن الاعتماد على التمويل الخارجي مثل صفقة "رأس الحكمة" مع الإمارات (35 مليار دولار) هو "مسكن مؤقت" لا يعالج الفساد والإنفاق غير المنتج.
تفاقم الوضع النقدي أدى إلى تضخم تراكمي يقارب 100% منذ 2022، بينما عملات مثل الدينار العراقي تحميها احتياطيات نفطية هائلة تصل إلى 100 مليار دولار.
تحذيرات إضافية
يحذر د. عبدالمطلب عبدالنبي من مخاطر الاقتراض المتكرر من صندوق النقد الدولي دون إصلاحات هيكلية، معتبرًا أن مصر "تخشى تخفيض التصنيف الائتماني" الذي سيؤدي إلى انهيار أكبر.
يقترح هاني توفيق حلولًا غير تقليدية مثل إعادة تصميم العملة لمكافحة التزييف والاحتكار، بينما تطالب د. عالية المهدي بـ"مراقبة التضخم المحلي لتثبيت العملة أمام الشركاء التجاريين".
تكشف هذه الآراء كيف أن سياسات الصرف غير الفعالة تجعل الجنيه رهينة للتقلبات العالمية، بينما عملات الحروب تتمتع بدعم خارجي مباشر.
الحلول المقترحة والمخاطر المستقبلية
يتوافق الخبراء على ضرورة إصلاحات جذرية:
-
د. مراد علي يدعو إلى "خروج المؤسسات السيادية من الاقتصاد" لتعزيز القطاع الخاص وزيادة الصادرات إلى 50 مليار دولار سنويًا.
-
د. مدحت نافع يربط الاستقرار بتقليص عجز التجارة من خلال دعم الصناعات التصديرية، محذرًا من تأثير الحروب الإقليمية على الاستثمارات.
-
د. سالي صلاح ترى بيع الأصول الحكومية "نهبًا منظّمًا"، وتقترح خفض الإنفاق العسكري وتعزيز الضرائب العادلة.
تؤكد د. عالية المهدي على "مرونة سعر الصرف كشرط أساسي" لمواجهة التضخم، بينما يطالب ممدوح الولي بـ"إصلاح مصرفي شامل" لاستعادة ثقة المستثمرين.
يركز هاني توفيق ود. عبدالمطلب عبدالنبي على مكافحة الفساد وتنويع الاقتصاد بعيدًا عن الديون.
تشير التوقعات إلى وصول الدولار إلى 53 جنيهاً بنهاية 2026، مع مخاطر تصل إلى 60 جنيهًا في حال تصاعد التوترات.
في الختام، يتطلب إنقاذ الجنيه إرادة سياسية للإصلاحات، كما يؤكد الخبراء جميعًا، لتجنب مصير عملات أخرى انهارت تمامًا.

