كشفت رسالة مسربة، نقلتها الشبكة المصرية لحقوق الإنسان عن محتجزين داخل قسم شرطة أول الزقازيق بمحافظة الشرقية، اتهامات خطيرة بتعرض عدد من المعتقلين لاعتداءات بدنية قبل الإفطار يوم الجمعة الماضي، شملت الضرب بالعصي والمواسير البلاستيكية، وإجبار بعضهم على الإفطار وهم مقيدون. وحتى وقت كتابة هذا النص، لم أعثر على رد رسمي معلن من وزارة الداخلية أو النيابة العامة على هذه الاتهامات بعينها، ما يبقي الوقائع في نطاق الادعاءات الحقوقية التي تستدعي تحقيقًا عاجلًا ومستقلًا. وفي الخلفية، تتقاطع هذه الشهادة مع تقارير حقوقية أوسع وثقت نمطًا متكررًا من التعذيب وسوء المعاملة في أماكن الاحتجاز بمصر.

 

الرسالة تتهم والقسم تحت الشبهة

 

بحسب الرسالة المسربة، فإن الاعتداءات لم تكن محدودة ولا عارضة. المحتجزون قالوا إنهم تعرضوا للضرب داخل القسم من دون مقدمات، وإن بعضهم أُجبر على كسر الصيام وهو مقيد، في واقعة حملت، حتى وفق الصياغة الحقوقية الحذرة، طابع الإهانة المتعمدة لا مجرد استخدام للعنف. الرسالة تحدثت أيضًا عن تكرار الاعتداءات لاحقًا أثناء محاولة إنهاء إضراب بعض المحتجزين عن الطعام، ما يعني أن المسألة، إذا ثبتت، لا تتعلق بانفلات فردي بل بسلوك عقابي متكرر داخل مكان احتجاز رسمي.

 

وتزيد خطورة الاتهامات مع ما ورد في الرسالة من أسماء قيل إنها شاركت في الاعتداء أو جرى ذلك على مرأى منها، بينهم الرائد محمد مكي والملازم أول عبد الرحمن والشاويش إسماعيل، وتحت سمع وبصر مأمور قسم أول الزقازيق أسامة حليمة، وفقًا للرواية المنسوبة للمحتجزين. هذه الأسماء لا يمكن الجزم بمسؤوليتها من دون تحقيق قضائي مستقل، لكن ورودها في شهادة جماعية مسربة يرفع كلفة الصمت الرسمي، خاصة أن القسم نفسه سبق أن ورد في تقارير حقوقية سابقة بوصفه موقعًا لانتهاكات جسيمة وظروف احتجاز قاسية.

 

الرسالة لم تكتف بوصف الضرب. هي تحدثت عن نتائج واضحة. جروح قطعية. كسور. كدمات شديدة. وذكرت بالاسم أحمد محمد أحمد عبد الغني، وقالت إنه أصيب بكسر في اليد اليمنى وجرح في الرأس وكدمات متفرقة. كما ذكرت أن المحتجز محمد عطية فقد الوعي من شدة التعذيب. هنا لا يعود الحديث عن تجاوز انضباطي أو مشادة داخل الحجز. الحديث يصبح عن ادعاءات تعذيب مكتملة الأركان، تستلزم، قانونيًا ومهنيًا، عرض المصابين فورًا على الطب الشرعي والتحفظ على كاميرات المراقبة وسماع أقوال كل من وردت أسماؤهم في الشهادة.

 

نمط أوسع من الانتهاكات لا واقعة معزولة

 

القضية لا تنفصل عن سياق أوسع. تقارير حقوقية دولية ومحلية تحدثت خلال 2025 و2026 عن استمرار التعذيب وسوء المعاملة داخل مقار الاحتجاز في مصر، وعن غياب المساءلة الفعالة، بما يسمح بتكرار الانتهاكات. تقرير مشترك قُدم قبل المراجعة الدورية الشاملة لملف مصر في الأمم المتحدة وصف التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية بأنه “واسع النطاق ومنهجي”، وربط بين استمرار الانتهاكات وبين الحصانة العملية التي يتمتع بها مرتكبوها.

 

وفي هذا السياق، يقول محمد لطفي، المدير التنفيذي للمفوضية المصرية للحقوق والحريات، إن التعذيب في مصر لا يُستخدم فقط لانتزاع الاعترافات، بل أيضًا للإذلال وإسكات المعارضين، وغالبًا من دون محاسبة. أهمية هذا التوصيف أنه ينقل القضية من مستوى “حالة فردية” إلى مستوى “آلية قمع”. فإذا كانت الرسالة المسربة صحيحة، فهي لا تبدو استثناءً. تبدو امتدادًا مألوفًا لنمط وثقته منظمات حقوقية على مدى سنوات داخل السجون والأقسام وأماكن الاحتجاز المختلفة.

 

هبة مرايف، المديرة الإقليمية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية، تنطلق من الخلاصة نفسها تقريبًا، وإن بصياغة مؤسسية. المنظمة قالت في تقارير حديثة إنها وثقت تعرض محتجزين في مصر للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية، كما وثقت الحرمان المتعمد من الرعاية الصحية والعقوبات المرتبطة بظروف الاحتجاز نفسها. هذا مهم هنا لأن الرسالة المسربة تتحدث عن تعذيب جسدي لإجبار محتجزين على كسر إضرابهم أو صيامهم، أي عن استخدام الجسد نفسه كساحة للعقاب والإخضاع.

 

أما بهي الدين حسن، مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، فقد حذر في مداخلات وبيانات حقوقية من أن غياب القنوات المستقلة للمحاسبة، واستخدام الأطر الأمنية والقانونية لقمع الخصوم، يفتحان الباب أمام التعذيب والإخفاء والانتهاكات بوصفها أدوات حكم لا تجاوزات معزولة. هذا التوصيف يضع ما جرى في الزقازيق، إذا ثبت، داخل صورة أشمل: شرطة تتحرك بلا خوف من رقابة حقيقية، ونيابة لا تتحرك تلقائيًا بالسرعة المطلوبة، ومحتجزون لا يملكون إلا تسريب رسالة من الداخل لوقف النزيف.

 

المطلوب تحقيق لا بيان إنكار

 

هنا يصبح السؤال مباشرًا: ماذا بعد الرسالة؟ المطلوب ليس نفيًا عامًا ولا صياغة إنشائية عن احترام القانون. المطلوب فتح تحقيق فوري، مستقل، وعلني النتائج. عرض كل من وردت أسماؤهم كمصابين على الطب الشرعي. سماع الشهود من المحتجزين منفردين ومن دون وجود عناصر من القسم. تفريغ الكاميرات. وفحص دفاتر الأحوال وأوامر الحركة داخل القسم في يوم الواقعة. هذا هو الحد الأدنى. وأي تأخير يمنح المتورطين المحتملين وقتًا لطمس الأدلة أو تنسيق الروايات.

 

الخطير أن وقائع من هذا النوع لا تضرب الضحايا وحدهم. هي تضرب ما تبقى من ثقة في مؤسسة يفترض أنها تطبق القانون لا تنتقم من المحتجزين. وإذا كان المحتجزون صائمين فعلًا وقت الاعتداء، كما قالت الرسالة، فإننا لا نكون أمام جريمة تعذيب فقط، بل أمام واقعة إذلال متعمد تحمل بعدًا عقابيًا ودينيًا ونفسيًا في آن واحد. لذلك فإن الصمت هنا ليس حيادًا. الصمت شراكة في دفن الحقيقة. وما لم تتحرك النيابة بسرعة، ستبقى الزقازيق اسمًا جديدًا في سجل قديم: محتجزون يصرخون من الداخل، ودولة لا تسمع إلا بعد أن يصبح الجسد نفسه هو الدليل.

 

https://www.facebook.com/ENHR2021/posts/pfbid0gwrzToon8sMd6PJ3xDiuWvwPtcZsXbn3E6w8jTqJkfpr9C8XN3vUeELu12mKj7P9l