أعادت الرسوم المفروضة عند دخول الأفراد إلى مصر عبر معبر طابا فتح ملف شديد الحساسية، بعد تثبيت رسم يبلغ 60 دولارًا على من يتجاوز الكيلومتر الأول داخل الجانب المصري، في وقت تتحدث فيه تقارير موثقة وشهادات متقاطعة عن مبالغ وصلت إلى آلاف الدولارات دفعتها عائلات فلسطينية للخروج من غزة خلال الحرب. المقارنة هنا لم تعد بين مسارين إداريين مختلفين فقط، بل بين بوابة تُدار بمنطق السياحة والعائد، وممر إنساني ارتبط في أسوأ لحظاته بالسماسرة والقوائم المدفوعة والقدرة على الدفع.
رسوم معلنة في طابا.. وممر سياحي يعمل بعائد واضح
الثابت في المصادر الرسمية أن عبور طابا إلى الجانب المصري لم يعد كما كان قبل أسابيع. تنبيه السفارة الأمريكية في القدس، ثم تحديثات أمنية لاحقة، أكدت أن الخارج من نقطة طابا إلى داخل مصر يدفع 60 دولارًا نقدًا، ما لم يكن بقاؤه محصورًا في الفندق الملاصق للمعبر أو ضمن مسافة قصيرة لا تتجاوز الكيلومتر الأول، حيث يبقى الرسم 10 دولارات. هذا يعني أن رسم 60 دولارًا ليس شائعة متداولة على مواقع التواصل، بل إجراء مطبق ومعلن في الإرشادات الرسمية للمسافرين.
الزيادة جاءت في لحظة استثنائية. الحرب والقيود على الطيران من الداخل الإسرائيلي دفعت أعدادًا متزايدة من المسافرين إلى اعتبار طابا وشرم الشيخ طريقًا بديلًا إلى العالم الخارجي. تقارير صحفية نقلت أن الرسوم المصرية ارتفعت من 25 دولارًا إلى 60 دولارًا للفرد، ومن 10 دولارات إلى 50 دولارًا للمركبة، بينما بقيت رسوم الجانب الإسرائيلي منفصلة. النتيجة أن المعبر تحول من بوابة حدودية معتادة إلى ممر ضغط وسوق عبور عالي الكلفة في وقت تزايد فيه الطلب عليه بشكل مفاجئ.
وفي تفسير الخلفية السياحية لهذا المسار، قال الخبير السياحي أحمد عبد العزيز إن السياحة الإسرائيلية الوافدة إلى مصر تتركز عادة في جنوب سيناء، خاصة طابا ودهب وشرم الشيخ، بسبب سهولة الدخول من دون تأشيرة إلى هذا النطاق الحدودي لمدة 14 يومًا. هذه الإفادة مهمة لأنها تفسر لماذا ترتبط الرسوم الجديدة مباشرة بحركة الزوار في جنوب سيناء، ولماذا لا يمكن فصل القرار المالي عن وزن هذه الحركة في اقتصاد المنطقة.
غزة دفعت الثمن الأفدح.. الخروج ارتبط بآلاف الدولارات لا برسوم حدودية عادية
في المقابل، لم يكن حديث الفلسطينيين عن الرسوم التي واجهتهم عند محاولة مغادرة غزة حديثًا عن رسم عبور معلن ومثبت على نافذة حدودية، بل عن منظومة كاملة من “التنسيق” والوسطاء والقوائم الخاصة. تحقيق مشترك لمشروع تتبع الجريمة المنظمة ومنصة مصرية مستقلة وثق أن أسعار الخروج من غزة إلى مصر خلال الحرب تراوحت بين 4,500 و10,000 دولار للفرد، بينما تحدثت تقارير أخرى عن 7,000 دولار للشخص، ووصلت في بعض الشهادات إلى 11,000 دولار. هذه الأرقام لا تتعلق بسائح يختار طريق سفر أغلى، بل بعائلات تحاول النجاة من حرب وحصار وقصف.
الأهم أن هذه الروايات لم تبق في خانة الشهادات المرسلة فقط. وكالة أنباء عالمية نقلت عن السفير الفلسطيني في القاهرة دياب اللوح أن ما يصل إلى 100,000 من سكان غزة دخلوا مصر خلال الحرب، لكن كثيرين منهم ظلوا بلا أوراق كافية لتسجيل أطفالهم في المدارس أو فتح حسابات أو الحصول على تأمين صحي أو السفر بحرية. اللوح شدد على أن المطلوب هو تصاريح إقامة مؤقتة لأغراض قانونية وإنسانية، وهو ما يكشف أن العبور لم يكن نهاية المعاناة، بل بداية وضع قانوني هش ومكلف ومعقد.
هنا يظهر الفرق الفاضح بين المسارين. الإسرائيلي الذي يعبر إلى جنوب سيناء يدخل عبر نظام سياحي معروف ومحدد الشروط والمدة والرسوم، بينما الغزي الخارج من الحرب دخل في متاهة تجمع بين الإغلاق والتنسيق والاستثناء والقدرة على الدفع. وقد وصفت تقارير استقصائية هذا الخروج بأنه “ابتزاز” و”تجارة مربحة للمستفيدين من الحرب”، وهي أوصاف لم تأت من خصوم سياسيين فقط، بل من تحقيقات اعتمدت مقابلات ووثائق وشهادات متعددة المصادر.
النفي الرسمي قائم.. لكن الفجوة الأخلاقية والسياسية باقية
السلطات المصرية نفت رسميًا في يناير 2024 تحصيل أي رسوم إضافية بالدولار من الفلسطينيين الراغبين في الخروج عبر رفح، وقالت إن مصر لم تجمع أي رسوم “تحت أي سبب” منذ بدء الحرب. هذا النفي يجب إثباته في أي نص مهني، لأنه جزء أساسي من الوقائع المنشورة. لكن وجود النفي لا يمحو ما وثقته تقارير استقصائية دولية عن وسطاء وشركات سفر وشبكات تنسيق باعت تصاريح الخروج بمبالغ باهظة، ولا يمحو أيضًا حقيقة أن آلاف الفلسطينيين لم يتمكنوا من العبور إلا إذا توافرت لديهم هذه الأموال أو من يدفعها عنهم.
ومن الزاوية الحقوقية، حذر رامي عبده، رئيس المرصد الأورومتوسطي، من أن فتح رفح بصورة جزئية وتحت ترتيبات ضيقة يكرس السيطرة على حق الفلسطينيين في الحركة ويتركهم رهائن لإجراءات أمنية وسياسية لا تراعي الحد الأدنى من الحق الإنساني في الخروج والعودة والعلاج. قوة هذا التقدير أنه لا يتحدث عن الرسوم بوصفها رقمًا فقط، بل بوصفها جزءًا من منظومة تحكم في الحركة في لحظة إبادة ونزوح جماعي.
اقتصاديًا وسياسيًا، تحاول القاهرة تقديم ما يجري في طابا على أنه تنظيم لحركة سياحة وحدود في منطقة تعتمد جزئيًا على هذا النمط من الزوار. لكن هذا التبرير لا يغلق باب المقارنة، لأن الرأي العام لا يرى فقط رسمًا على سائح، بل يرى أيضًا آلاف الدولارات التي ارتبطت بخروج الجرحى والنازحين والعائلات من غزة. وهنا تصبح المسألة أوسع من رسم عبور أو إجراء أمني. تصبح مسألة عدالة بين من يدخل للترفيه أو السفر، ومن يحاول الخروج من الموت.
ولا يمكن فصل الجدل الحالي عن بنية العلاقة نفسها. اتفاق 26 فبراير 1989 الخاص بالسياحة إلى جنوب سيناء منح الداخلين من الجانب الإسرائيلي إلى هذا النطاق تسهيلات معروفة منذ سنوات، وهو ما يفسر استمرار الحركة السياحية حتى في أوقات التوتر. لكن حين توضع هذه التسهيلات، مهما ارتفعت رسومها، بجوار ما واجهه الغزيون خلال الحرب من قوائم مدفوعة ومبالغ فلكية ونقص في الإقامة والوثائق، فإن الفارق لا يعود إداريًا فقط. يصبح فجوة سياسية وأخلاقية لا يمكن إخفاؤها بعبارة “ترتيبات تنظيمية”.

