يوضح فضيلة الشيخ سعد الدسوقي، من علماء الأزهر الشريف، أن الإسلام شرع الأضحية في عيد الأضحى شكرًا لله تعالى على نعمة المال والرزق، واستحضارًا لقصة الخليل إبراهيم عليه السلام مع ابنه إسماعيل عليه السلام، حين فداه الله بذبح عظيم. فالأضحية ليست مجرد ذبح، بل عبادة تحمل معنى الشكر، والطاعة، والتقرب إلى الله، وتذكيرًا للمسلم بأن المال والرزق نعمة تستوجب الحمد والعمل الصالح.

 

ويبين الشيخ سعد الدسوقي أن الأضحية سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم للقادر الموسر، وأنها ترتبط كذلك بمعان اجتماعية وإنسانية واضحة، منها إدخال السرور على أهل البيت في أيام العيد، والتوسعة على الفقراء والمحتاجين من خلال توزيع جزء منها عليهم. كما يعرض آراء العلماء في مسألة قص الشعر والأظافر لمن أراد أن يضحي، موضحًا أن الفقهاء اختلفوا بين التحريم والكراهة والإباحة، وأن المسلم له أن يتبع أحد هذه الأقوال المعتبرة.

 

الأضحية عبادة شكر وإحياء لسنة الخليل

 

ترتبط الأضحية في الإسلام بمعنى الشكر لله تعالى على ما رزق الإنسان من بهيمة الأنعام، وقد جاء ذلك في قوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾. فالآية تؤكد أن الذبح في أيام العيد ليس عادة اجتماعية فقط، بل عبادة قائمة على ذكر الله والاعتراف بفضله.

 

ويشير فضيلة الشيخ سعد الدسوقي إلى أن الأضحية تحيي في نفوس المسلمين قصة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وهي قصة طاعة وابتلاء وتسليم لأمر الله. فقد قال الله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾، فصار الذبح رمزًا للفداء، ومعنى من معاني الامتثال، وتجديدًا سنويًا لقيمة الطاعة الخالصة لله.

 

كما يؤكد أن النبي صلى الله عليه وسلم سن الأضحية للموسر، وجعل وقتها بعد صلاة العيد، كما ورد في الحديث الصحيح: “إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ثم نرجع فننحر؛ فمن فعل فقد أصاب سنتنا”. وهذا يوضح أن الأضحية عبادة لها وقتها وضوابطها، وليست مجرد ذبح في أي وقت.

 

التوسعة على الأسرة والفقراء من مقاصد الأضحية

 

من أبرز أسرار تشريع الأضحية، كما يوضح الشيخ سعد الدسوقي، أنها تحقق التوسعة على العيال والأسرة في أيام العيد. فالعيد في الإسلام ليس مناسبة فردية، بل فرحة جماعية تشمل البيت والأقارب والمحتاجين، وتظهر فيها قيمة المشاركة والرحمة والتكافل.

 

وتتسع الحكمة الاجتماعية للأضحية عندما يصل جزء منها إلى الفقراء، إذ يسن أن ينالوا نصيبًا منها، حتى يشعروا هم أيضًا بفرحة العيد. فالأضحية لا تحقق مقصودها الكامل إذا انحصرت داخل بيت القادر فقط، بل تكتمل حين تمتد إلى المحتاج الذي لا يستطيع شراء اللحم أو مشاركة الناس فرحتهم.

 

ويرى الشيخ أن من أسرار الأضحية كذلك أنها تحمل معنى الفداء من الآفات والمصائب والكوارث، كما كان الكبش فداء لإسماعيل عليه السلام. وهذا المعنى لا يلغي الجانب التعبدي، بل يضيف إليه شعورًا روحيًا عميقًا، يجعل المسلم يقدم قربانه راجيًا رحمة الله وحفظه ولطفه.

 

ولهذا لا ينبغي اختزال الأضحية في اللحم أو المظهر الاجتماعي، لأن الله تعالى قال: ﴿لَنْ يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾. فالمقصود الأعظم هو التقوى، والإخلاص، وتعظيم شعائر الله، لا مجرد الذبح أو التفاخر.

 

حكم قص الشعر والأظافر لمن أراد أن يضحي

 

يعرض فضيلة الشيخ سعد الدسوقي مسألة مهمة تتكرر مع دخول شهر ذي الحجة، وهي حكم أخذ المضحي من شعره أو أظافره قبل أن يذبح أضحيته. وقد ورد في صحيح مسلم عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا أظفاره شيئًا حتى يضحي”.

 

وقد اختلف العلماء في فهم هذا النهي. فذهب سعيد بن المسيب وربيعة وأحمد بن حنبل وإسحاق وداود وبعض أصحاب الشافعي إلى تحريم أخذ شيء من الشعر أو الأظافر لمن أراد أن يضحي. واستند هؤلاء إلى ظاهر الحديث، ورأوا أن النهي فيه يدل على التحريم.

 

بينما ذهب الإمام الشافعي وأصحابه إلى أن النهي محمول على كراهة التنزيه، لا على التحريم، أي إن ترك القص أفضل وأولى، لكن من فعل ذلك لا يأثم. أما الإمام أبو حنيفة فرأى أن الحلق والتقصير لا يكرهان، وورد عن الإمام مالك قولان، أحدهما بعدم الكراهة، والآخر بالتحريم في أضحية التطوع دون الواجبة.

 

ويخلص الشيخ سعد الدسوقي إلى أن هذه أقوال معتبرة لأهل العلم، ولكل قول دليله ووجهته الفقهية. لذلك لا ينبغي أن تتحول المسألة إلى خصومة بين الناس، فمن ترك شعره وأظافره حتى يضحي أخذ بالأحوط ووافق ظاهر الحديث، ومن اتبع قولًا آخر من أقوال العلماء فلا حرج عليه.

 

وفي النهاية، تبقى الأضحية عبادة عظيمة تجمع بين الشكر والطاعة والتكافل والتقوى. فهي تذكر المسلم بنعمة الله، وتربط فرحة العيد بحق الفقير، وتفتح بابًا للرحمة داخل الأسرة والمجتمع. والأهم أن يؤديها المسلم بقلب صادق ونية خالصة، لأن الله لا ينظر إلى اللحم والدم، وإنما ينظر إلى التقوى والعمل الصالح.