أعلنت وزارة البترول وصول سفينة الحفر «فالاريس دي إس 12» إلى المياه الإقليمية، تمهيدًا لبدء حفر 4 آبار جديدة للغاز في البحر المتوسط بالتعاون مع «بي بي» و«أركيوس إنرجي». الحكومة قدمت الخطوة باعتبارها دليلًا على عودة الثقة الأجنبية وقدرة القطاع على استعادة الزخم.

 

لكن الوقائع الأحدث تقول شيئًا آخر أيضًا. مصر ما زالت تستورد الغاز. وفاتورة الواردات قفزت بقوة. والإنتاج المحلي لم يستعد مستوياته السابقة.

لذلك لا يقف السؤال عند وصول سفينة أو بدء بئرين. السؤال الأوضح والأثقل هو: هل تنجح مصر فعلًا في تأمين احتياجاتها من الطاقة، أم أن الحكومة تكرر خطاب التفاؤل بينما يبقى العجز قائمًا؟

 

حفر جديد على الورق.. لكن الأزمة لم تغادر السوق

 

البيان الرسمي يقول إن السفينة ستبدأ بحفر بئر إنتاجية وأخرى استكشافية لصالح «بي بي»، ثم تتبعها آبار أخرى ضمن برنامج أوسع في البحر المتوسط. كما تتحدث الوزارة عن خطة خلال 2026 تستهدف حفر أكثر من 100 بئر استكشافية، إلى جانب تنمية الحقول القائمة. هذا هو الخطاب الحكومي الحالي: تكثيف البحث، وتسريع الحفر، وتقديم حوافز لجذب الشركات. لكن هذا الخطاب يأتي بعد سنوات من تراجع الإنتاج المحلي، وليس في لحظة فائض أو استقرار.

 

شركة «فالاريس» نفسها أعلنت في أكتوبر 2025 حصولها على عقد من «بي بي» في مصر بقيمة تقديرية تبلغ 140 مليون دولار، يشمل 5 آبار ومدته المتوقعة 350 يومًا. هذا يثبت أن برنامج الحفر ليس إعلانًا إعلاميًا طارئًا، بل جزء من تعاقد قائم. لكنه لا يثبت وحده أن مصر اقتربت من الاكتفاء. لأن العقود والحفارات لا تتحول تلقائيًا إلى إنتاج تجاري سريع، ولأن الاستكشاف بطبيعته يحمل احتمالات النجاح والإخفاق معًا.

 

وزير البترول كريم بدوي قال في يناير إن مصر تخطط لتحقيق الاكتفاء الذاتي من البترول والغاز. هذا هو الهدف الرسمي المعلن. لكن الهدف شيء، والقدرة على تنفيذه في المدى القريب شيء آخر. فحتى مع وصول السفينة الجديدة، ما زالت الحكومة نفسها تتحدث عن حفر واستكشاف وتنمية، لا عن عودة مؤكدة وفورية إلى فائض محلي يغنيها عن الاستيراد.

 

وهنا تظهر الملاحظة الأهم التي قالها المهندس مدحت يوسف، نائب رئيس هيئة البترول الأسبق، حين أكد أن تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز خلال فترة قريبة “صعب”، وأن الأمر يحتاج إلى اكتشافات ضخمة تعادل على الأقل إنتاج حقل «ظهر» عند ذروة إنتاجه. وأضاف أن وجود 3 سفن تغييز في مصر هو أكبر دليل على استمرار العجز، وأن ما يحدث حاليًا هو تنمية للحقول أكثر من كونه تحولًا جذريًا في المعادلة. هذا الكلام يضرب قلب الرواية الحكومية المتفائلة، لأن الأزمة ليست في غياب الحفر فقط، بل في اتساع الفجوة بين ما يُنتج وما يُستهلك.

 

الاستيراد يتضخم.. والحكومة تدفع ثمن التأخر

 

الضغط الحقيقي لا يظهر في بيانات الحفر وحدها، بل في أرقام الاستيراد. رويترز نقلت في 18 مارس أن فاتورة واردات الطاقة المصرية الشهرية قفزت من 560 مليون دولار إلى 1.65 مليار دولار تقريبًا للكميات نفسها، مع ارتفاع أسعار النفط من 69 دولارًا إلى 108.50 دولارًا للبرميل. هذه الزيادة لا تعكس فقط أثر الحرب في المنطقة، بل تكشف أيضًا حجم تعرض مصر لصدمات السوق الخارجية بعد أن أصبحت تعتمد مجددًا على الواردات لتغطية احتياجاتها.

 

الأزمة لم تتوقف عند فاتورة أعلى. مصر كانت قد أوقفت استيراد الغاز من إسرائيل في أواخر فبراير، ثم استؤنف التصدير إليها بشكل محدود في 9 مارس وفق وزارة الطاقة الإسرائيلية. هذا يعني أن جزءًا من أمن الطاقة المصري بات معلقًا أيضًا بتقلبات المورد الخارجي والظروف الأمنية في الإقليم، لا فقط بأداء الحقول المحلية. وكلما طال هذا الوضع، زادت هشاشة السوق المحلية أمام أي تعطل جديد.

 

وفوق ذلك، أعلنت مصر أنها ستسدد 1.3 مليار دولار من المتأخرات لشركات النفط الأجنبية بحلول يونيو 2026، بعد أن بلغت المتأخرات 6.1 مليار دولار في منتصف 2024 بسبب نقص العملة الأجنبية. هذا الرقم ليس هامشيًا. لأنه يكشف أن الدولة لم تكن فقط تعاني تراجع الإنتاج، بل كانت تعجز أيضًا عن الوفاء المنتظم بالتزاماتها للشركاء، وهو ما أبطأ الاستثمار والحفر وأضر بالإنتاج نفسه. ثم عادت اليوم لتطلب من السوق أن يصدق أن الانفراج قريب.

 

وفي هذا السياق، قال الدكتور إبراهيم زهران، خبير الطاقة، إن تراجع إنتاج «ظهر» وعودة مصر إلى استيراد الغاز المسال والتفاوض على عشرات الشحنات لتغطية الاحتياجات يكشف أن الحديث عن فائض دائم أو مركز إقليمي للطاقة لا يستند إلى وفرة مستقرة، بل إلى إدارة قصيرة المدى لمورد متراجع. أهمية هذا الرأي أنه لا يهاجم الحفر الجديد من حيث المبدأ، لكنه يرفض تقديمه كبديل عن الاعتراف بالفجوة الحالية.

 

الاكتشافات وحدها لا تكفي.. والطلب يسبق الحكومة دائمًا

 

الحكومة تقول إن أنشطة الحفر الجديدة تمثل حجر الزاوية لزيادة تدريجية ومستدامة في الإنتاج خلال السنوات المقبلة.

هذا صحيح نظريًا. لكن المشكلة أن الطلب المحلي لا ينتظر سنوات.

مصر شهدت خلال الفترة الأخيرة ارتفاعًا في الاستهلاك المحلي، واضطرت إلى رفع أسعار الوقود داخليًا بما يصل إلى 17% في مارس، كما درست إجراءات لخفض الاستهلاك مثل الإغلاق المبكر للمحال والعمل عن بعد.

حين تصل الأزمة إلى هذا المستوى، يصبح من الصعب إقناع السوق بأن المشكلة مؤقتة أو أن سفينة واحدة تكفي لتبديل الصورة.

 

الخبير الاقتصادي ممدوح الولي قال إن اعتماد مصر على استيراد الغاز والمازوت يكشف فشلًا في التمويل والتخطيط، وإن التوسع في التعاقدات الآجلة لتأمين الشحنات لا يعالج أصل الأزمة، بل يؤجلها. هذا التوصيف مهم لأنه يربط بين فجوة الطاقة وفشل إدارة الموارد، لا بين الأزمة والحرب وحدها. فالحرب رفعت الفاتورة فعلًا، لكنها لم تخلق العجز من الصفر. العجز كان قائمًا أصلًا، ثم كشفت الصدمة الخارجية حجمه الحقيقي.

 

هكذا تبدو الصورة من دون تجميل. نعم، وصول «فالاريس دي إس 12» خطوة مهمة. ونعم، حفر 4 آبار جديدة أفضل من الجمود. لكن الحقيقة الأثقل أن مصر لا تزال بعيدة عن ضمان احتياجاتها من الطاقة في المدى القريب.

الإنتاج المحلي لم يلحق بالطلب. المتأخرات أخرت الاستثمار. والاستيراد تمدد حتى صار جزءًا أساسيًا من المعادلة. لذلك لا يجوز للحكومة أن تبيع الرأي العام قصة نجاح مبكرة قبل ظهور نتائج فعلية.

ما تحتاجه مصر ليس مجرد سفينة جديدة في المتوسط، بل سياسة طاقة تعترف بالعجز أولًا، ثم تعالجه بخطة واقعية، لا بخطاب انتصار سابق لأوانه.