ينقل الكاتب صالح سالم من القاهرة صورة جدلٍ خليجي متصاعد حول الدعوة المصرية إلى تشكيل قوة عسكرية عربية مشتركة تتولى حماية الدول العربية من التهديدات، في وقت تتسع فيه الحرب المرتبطة بإيران وتزداد معه حساسية المواقف الإقليمية. ويعرض التقرير كيف واجه هذا الطرح انتقادات لاذعة من مؤثرين وكتّاب خليجيين رأوا أن دول الخليج، وعلى رأسها الإمارات، تملك من القدرات الدفاعية ما يغنيها عن الاستناد إلى دول يصفونها بالضعف أو المثقلة بأزماتها الداخلية.
ويشير العربي الجديد إلى أن المقترح المصري ليس جديدًا، بل يعود إلى عام 2015 حين طرحه رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي خلال قمة جامعة الدول العربية في شرم الشيخ، في ظل صعود تنظيم الدولة وتمدده في سوريا والعراق. ثم عاد السيسي وطرح الفكرة مرة أخرى في سبتمبر 2025 خلال القمة العربية الإسلامية في الدوحة، بعد الهجمات الإسرائيلية على قطر. ويستند المشروع، بحسب التقرير، إلى معاهدة الدفاع العربي المشترك الموقعة عام 1950، لكن الفكرة ظلت طوال السنوات الماضية بلا حماسة عربية كافية ولا تصور عملي واضح.
غضب خليجي يتجاوز المقترح العسكري
يرى التقرير أن الانتقادات الموجهة إلى الطرح المصري لا تنفصل عن مزاج خليجي آخذ في الاتساع، خاصة بين المؤثرين وصناع الرأي، يعتبر أن مصر لا تقف بالصلابة المطلوبة إلى جانب حلفائها العرب في لحظة إقليمية شديدة التوتر. وينقل عن محللين أن بعض المواطنين في الخليج كانوا يتوقعون من القاهرة موقفًا أكثر حدة إزاء الهجمات الإيرانية على دول مجلس التعاون، لا سيما أن مصر تُقدَّم تقليديًا باعتبارها دولة مركزية في العالم العربي وصاحبة أكبر جيش عربي.
ويضيف التقرير أن الفجوة بين المزاجين المصري والخليجي بدت واضحة خلال الأسابيع الأخيرة. فبينما تفضّل القاهرة لغة التهدئة والدبلوماسية، تميل عواصم خليجية إلى الضغط المباشر على إيران لوقف هجماتها. كما يرى بعض الأصوات الخليجية أن تفاعلات قطاع من المصريين على مواقع التواصل بدت متعاطفة مع إيران أو أقل اكتراثًا بما تتعرض له دول الخليج، وهو ما عمّق الإحساس بالغضب والخذلان في نظر هؤلاء.
إدانة رسمية لا تُقنع الشارع الخليجي
يوضح التقرير أن القاهرة سارعت رسميًا إلى إدانة الهجمات الإيرانية على دول الخليج. فقد أصدرت وزارة الخارجية المصرية في 28 فبراير بيانًا قوي اللهجة شجبت فيه الاعتداءات، ودعت إلى احترام سيادة الدول العربية، وحذرت من الانزلاق إلى فوضى إقليمية. كما كرر السيسي رسائل الإدانة والتضامن في أكثر من مناسبة، بينها اتصال هاتفي مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في 13 مارس.
لكن هذه المواقف الرسمية، بحسب التقرير، لم تنجح في تبديد الشكوك لدى قطاعات من الرأي العام الخليجي. ويبرز النص مثالًا من داخل مصر نفسها، حين أصدر رئيس مجلس النواب المصري بيانًا يندد بالهجمات الإيرانية على دول الخليج، ثم اعترض عدد من النواب على البيان لأنه لم يساوِ بين إدانة الضربات الإيرانية وإدانة الهجمات الإسرائيلية والأميركية على إيران. وفي نظر مراقبين، عزز هذا المشهد انطباعًا لدى بعض الخليجيين بأن المزاج المصري العام لا يمنح أمن الخليج الأولوية نفسها التي ينتظرونها.
عرض مصري جاد وحسابات عربية معقدة
يرصد التقرير في المقابل دفاع محللين وخبراء مصريين عن الطرح المصري، إذ يقولون إن القاهرة تقدم عرضًا جادًا يهدف إلى بناء مظلة ردع عربية لا إلى استبدال التحالفات القائمة. وينقل عن الخبير العسكري المصري اللواء نصر سالم قوله إن القوة العربية المشتركة يمكن أن تعمل كقوة تدخل سريع تستجيب للتهديدات التي تواجه الدول العربية، من دون أن تضطر دول الخليج إلى التخلي عن تحالفاتها القائمة مع الولايات المتحدة أو أوروبا أو تركيا أو غيرها.
كما يلفت التقرير إلى أن وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أعاد التذكير بالفكرة خلال جولته الخليجية في 10 مارس، معتبرًا أن هذه القوة يمكن أن تحمي السيادة العربية وتبعث برسالة ردع واضحة إلى كل من يفكر في انتهاكها. غير أن النص يقر في الوقت نفسه بوجود ضبابية كبيرة تحيط بتفاصيل المشروع، مثل تركيبة القوة، وآلية القيادة، ونسب مساهمة الدول الأعضاء، وقواعد تشغيلها.
ويخلص التقرير إلى أن القاهرة ترى في الوحدة العسكرية العربية عنصر توازن استراتيجي يحد من التدخلات الخارجية ويمنح العرب قدرة أكبر على حماية أمنهم بأنفسهم. لكن نجاح هذا التصور يظل مرهونًا بقدرة مصر على إقناع شركائها الخليجيين بأن المبادرة ليست مجرد شعار سياسي قديم، بل إطار عملي يمكن الوثوق به في لحظة إقليمية مشتعلة.
https://www.newarab.com/news/gulf-influencers-deride-egypts-nato-proposal-amid-iran-war

