علّقت بعثة الاتحاد الأوروبي عملها على معبر رفح، فتوقفت فورًا حركة المرضى ومرافقيهم في الاتجاهين، وعادت البوابة الوحيدة غير الإسرائيلية لقطاع غزة إلى وضع الشلل الذي يلاحقها كلما قرر الاحتلال شدّ الخناق. المعلومات الأولية التي خرجت من داخل البعثة تحدثت عن “أسباب أمنية” من دون أي شرح علني، بينما جاءت الخطوة بعد أقل من أسبوع من استئناف عمل البعثة في 19 مارس، وبعد يوم واحد فقط من واقعة اعتقال مسافر فلسطيني عائد إلى غزة. النتيجة المباشرة لم تكن تقنية ولا إجرائية. كانت إنسانية بامتياز: مرضى لم يُبلّغوا بالسفر، وعائدون أُبلغوا بتأجيل رجوعهم، ومعبر أُعيد مرة أخرى إلى منطق التحكم الأمني لا منطق الحق في الحركة والعلاج.
قرار أمني مبهم.. وتعليق يضرب المرضى أولًا
بحسب الرواية الواردة من داخل البعثة، جاء التعليق “لأسباب أمنية” من دون توضيح، مع ترجيح غير مؤكد بأن الخطوة قد تكون مرتبطة باعتقال جيش الاحتلال أحد المسافرين العائدين إلى غزة مساء الأحد. هذا التفسير، حتى وهو غير محسوم، يكشف شيئًا أساسيًا: تشغيل المعبر لا تحكمه قواعد إنسانية مستقرة، بل يظل رهينًا لقرار أمني متقلب، يمكن أن يوقف حركة المرضى والمرافقين بالكامل خلال ساعات. والبعثة الأوروبية نفسها كانت قد أعلنت رسميًا في 2 مارس تعليق أنشطتها “حتى إشعار آخر” بسبب “الوضع الأمني المستمر” وإغلاق جميع المعابر إلى غزة، قبل أن تعود في 19 مارس وتستأنف العمل بعد توقف بدأ في 28 فبراير.
هذا التذبذب السريع يؤكد أن ما يسمى “إعادة تشغيل رفح” لم يتحول إلى مسار ثابت، بل بقي تشغيلًا متقطعًا يخضع للمزاج الأمني الإسرائيلي. البعثة الأوروبية قالت في بيان استئنافها الأخير إن المعبر أعيد فتحه “لأول مرة منذ توقف العمليات في 28 فبراير”، ما يعني أن التوقفات أصبحت جزءًا من بنية التشغيل نفسها، لا مجرد استثناء عابر. وعندما يكون المعبر مخصصًا أصلًا للحالات الطبية والعبور الإنساني المحدود، فإن أي تعليق جديد لا يعني تعطيل حركة حدودية عادية، بل وقف باب نجاة لمرضى وجرحى ومرافقين ينتظرون دورهم في الخروج أو العودة.
وفي هذا السياق، قالت رئيسة البعثة ناتاليا أبوستولوفا إن مهمة البعثة هي “مراقبة كيفية تنفيذ العملية من جانب الفريق الفلسطيني”، وإن دورها “طرف ثالث محايد” يهدف إلى جعل المرور “أكثر سلاسة واحترامًا لكرامة الناس وأسرع”. هذه الصياغة تكشف بوضوح حدود الدور الأوروبي نفسه: البعثة لا تملك القرار التنفيذي الكامل، ولا تملك سلطة منع الاعتقال أو فرض استمرار التشغيل، بل تراقب وتيسّر ضمن إطار أمني يظل بيد الاحتلال. وهذا بالضبط ما يفسر كيف يمكن لبعثة تقول إن دورها احترام الكرامة أن تجد نفسها تعلق عملها فورًا عندما يهتز الإطار الأمني الذي يسمح لها بالحضور من الأصل.
الاعتقال والرقابة الإسرائيلية.. المعبر يعمل تحت يد الاحتلال لا تحت مظلة محايدة
الوقائع المنشورة عن إعادة فتح رفح في فبراير ومارس 2026 تُظهر أن إسرائيل لا تحضر جسديًا عند المعبر، لكنها تراقب من يمر وتتحكم في البوابات عن بعد وتخضع القوائم لتدقيق أمني مسبق. تقرير مفصل عن تشغيل المعبر نقل أن العابرين يخضعون لموافقات إسرائيلية ومصرية، وأن الاحتلال يراقب الدخول والخروج “عن بعد”، بينما يعمل الأوروبيون كطرف ثالث غير تنفيذي. هذا يعني أن الحديث عن وجود أوروبي محايد لا يلغي الحقيقة الأساسية: المعبر يعمل داخل منظومة رقابة إسرائيلية كاملة، وكل تعليق أمني يعكس في جوهره طبيعة هذا الإطار لا مجرد قرار أوروبي مستقل.
ومنذ إعادة فتحه في 2 فبراير، ظل التشغيل محدودًا بشدة. بين 2 و14 فبراير، غادر 316 فلسطينيًا غزة وعاد 312 فقط، بمتوسط يقارب 35 شخصًا يوميًا في كل اتجاه، رغم أن الاتفاق يسمح نظريًا بخروج 50 مريضًا يوميًا مع مرافقين. كما اشتكى مسافرون من انتظار طويل، وتفتيشات مهينة، واضطرار بعضهم للمبيت عند المعبر بسبب التعطيل العملي والإجرائي. هذه الأرقام تؤكد أن رفح لم يعد حتى في أفضل أيامه معبرًا مفتوحًا، بل ممرًا ضيقًا ومثقلاً بالقيود، بحيث يصبح أي تعليق جديد كفيلًا بإعادة كل شيء إلى الشلل الكامل.
الكاتب والمحلل ستيفن فاريل كتب أن رفح يظل “شريان الحياة الوحيد” للفلسطينيين إلى العالم الخارجي من دون المرور عبر إسرائيل، لكنه حذّر في الوقت نفسه من أن الفتح الحالي “محدود، ولمن يدري إلى متى”، وأن هناك “عقبات سياسية وعسكرية وإنسانية كبرى” تهدد استدامته. أهمية هذا التقدير أنه يضع قرار التعليق الأخير في سياقه الحقيقي: المشكلة ليست في يوم واحد تعطلت فيه الحركة، بل في نموذج تشغيل كله هش، وكله معلق على توازنات سياسية وأمنية لا يملك المرضى أي سلطة عليها.
هذا ما يجعل واقعة اعتقال أحد المسافرين العائدين، إذا ثبت ارتباطها بالتعليق، أكثر خطورة من حادثة فردية. لأنها تعني أن الاحتلال لا يكتفي بالتدقيق والتحكم في القوائم، بل يملك أيضًا القدرة على تحويل رحلة علاج أو عودة إنسانية إلى بوابة احتجاز، ثم ينعكس ذلك فورًا على عمل البعثة الأوروبية نفسها. وعندما يبلغ هذا الحد من التحكم، يصبح وصف البعثة بأنها “طرف ثالث محايد” توصيفًا محدود القيمة عمليًا، لأن المحايد لا يملك أن يضمن استمرار العبور إذا قرر الطرف الأقوى أمنيًا أن يجمّد كل شيء.
بعثة وُلدت لتيسير الحركة.. وانتهت إلى إدارة الشلل المتكرر
بعثة الاتحاد الأوروبي أُنشئت في 2005 لدعم تنفيذ اتفاق الحركة والوصول، وتوفير وجود طرف ثالث محايد على معبر رفح، مع مراقبة العمليات ودعم التنسيق ومساعدة السلطة الفلسطينية في إدارة المعبر. هذا هو التعريف الرسمي لمهمتها حتى اليوم. لكنها علّقت عملها بعد سيطرة حماس على القطاع في 2007، ثم ظلت خارج المشهد 18 عامًا تقريبًا قبل أن تعود بصورة متقطعة في يناير 2025 ثم فبراير 2026. هذا التاريخ وحده يكشف أن المعبر لم ينجح يومًا في أن يكون مرفقًا حدوديًا طبيعيًا ومستقرًا، بل بقي رهينة التفاهمات الأمنية والحرب والانقسام والسيطرة الإسرائيلية غير المباشرة.
وفي البعد الإنساني الأوسع، حذر تقرير أممي من أن الإغلاق الجزئي أو غير المحدد للمعابر يؤدي إلى تعطيل تدفق المساعدات الإنسانية وتعليق انتقال المرضى والجرحى. كما شدد مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك على أن على جميع الأطراف اتخاذ تدابير فعالة لحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين. هذا الكلام لا يخص رفح اسمًا فقط، لكنه ينطبق عليه مباشرة: إغلاق المعبر أو تعليق عمل بعثته ليس قرارًا إداريًا محضًا، بل إجراء يضرب المدنيين في حقهم في العلاج والمرور والنجاة.
ولهذا تبدو العودة المتكررة إلى ذريعة “الأسباب الأمنية” تعبيرًا ناقصًا، بل مضللًا أحيانًا. لأن الأمن هنا لا يحمي المسافرين، بل يبتلعهم. لا يضمن العبور، بل يجعله هشًا ومؤقتًا وخاضعًا للاعتقال والانتظار والتأجيل. وما دام تشغيل المعبر يتوقف كلما اهتز الإطار الذي يفرضه الاحتلال، فإن البعثة الأوروبية لا تبدو ضامنًا لحق الحركة بقدر ما تبدو جزءًا من آلية تضفي طابعًا إداريًا على اختناق سياسي وأمني مستمر. الخلاصة القاسية أن تعليق عمل البعثة ليس خبرًا فنيًا عن فريق أوروبي انسحب مؤقتًا، بل خبر عن مرضى عالقين، ومعبر عاجز، وواقع يؤكد أن رفح ما زال يفتح ويغلق وفق منطق السيطرة لا وفق منطق الإنسانية.

