قفزت أسعار اللحوم الحمراء في الأسواق المصرية، اليوم الثلاثاء 24 مارس 2026، بشكل جماعي وعلى نحو لافت، مع زيادات يومية وأسبوعية ضربت معظم الأصناف الرئيسية، بينما بقي الاستقرار الشهري مجرد رقم لا يغير حقيقة السوق: الصعود مستمر، والقدرة الشرائية تتآكل، والمستهلك يواجه موجة جديدة من الغلاء في واحدة من أكثر السلع حساسية على مائدة الأسر.
وتشير البيانات المتداولة اليوم إلى أن الضغوط لم تعد مرتبطة فقط بموسم الشراء، بل أيضًا بزيادة تكاليف الأعلاف، واضطراب الشحن والتأمين، وانعكاس التوترات الإقليمية على فاتورة الإنتاج والنقل.
الضاني والبتلو والكندوز.. زيادة واسعة في يوم واحد
بحسب آخر تحديث لأسعار اللحوم، سجل متوسط سعر اللحم الضأن نحو 445.5 جنيه للكيلو، بزيادة 18.1 جنيه خلال 24 ساعة، وبارتفاع 18.64 جنيه مقارنة بالأسبوع الماضي، فيما استقرت الأسعار على أساس شهري.
وعلى أساس سنوي، ارتفع سعر الضأن بنحو 24.23 جنيه. وتراوح سعر الكيلو بين 390 و500 جنيه في محافظتي الإسكندرية ومطروح، بما يعكس فجوة سعرية واضحة بين الأسواق، ويؤكد أن الارتفاع لم يعد حالة معزولة أو محصورة في منطقة واحدة.
البتلو بدوره تحرك إلى أعلى. متوسط السعر سجل 443.68 جنيه للكيلو، بزيادة 11.06 جنيه عن اليوم السابق، و25 جنيهًا على أساس أسبوعي، مع ثبات شهري. وعلى أساس سنوي، ارتفع السعر بنحو 27.11 جنيه. ويتراوح سعر الكيلو بين 400 جنيه في الإسماعيلية و500 جنيه في الإسكندرية. هذه الفجوة لا تلغي الاتجاه العام. السوق يتحرك إلى أعلى في كل الأحوال، حتى لو اختلفت سرعة الصعود من محافظة إلى أخرى.
أما الكندوز الكبير فسجل واحدة من أكبر القفزات اليومية، إذ بلغ متوسط السعر 372.14 جنيه للكيلو، بزيادة 19.22 جنيه خلال يوم واحد، و22.56 جنيه على أساس أسبوعي، مع استقرار شهري وارتفاع سنوي بلغ 19.41 جنيه. ويتراوح السعر بين 280 و400 جنيه للكيلو. الكندوز المتوسط ارتفع بوتيرة أبطأ، لكنه ارتفع أيضًا، ليسجل 413.42 جنيه للكيلو، بزيادة 2.66 جنيه يوميًا و4.89 جنيه أسبوعيًا، مع استقرار شهري وارتفاع سنوي بنحو 17.3 جنيه، بينما يدور نطاقه السعري بين 350 و500 جنيه.
رئيس شعبة القصابين، محمد وهبة، قال في 11 مارس إن أسعار اللحوم ارتفعت بالفعل بنحو 10 جنيهات بسبب زيادة الأعلاف، مضيفًا أن الزيادة المعتادة في هذا السوق تتراوح غالبًا بين 3% و5%. معنى ذلك أن السوق كان يتحرك صعودًا بالفعل قبل أرقام اليوم، وأن القفزات الحالية ليست مفاجأة كاملة، بل امتداد لمسار قائم يتغذى على تكلفة الإنتاج أولًا.
الأعلاف تضغط من أسفل.. والمربي ينقل التكلفة للمستهلك
الارتفاعات الحالية لا يمكن فصلها عن سوق الأعلاف. حسين أبو صدام، نقيب الفلاحين، قال إن الزيادات كانت متوقعة في ضوء ارتفاع أسعار الأعلاف، بالتزامن مع موسم الشراء بهدف التسمين للعيد. وأضاف أن سعر “العجل” وصل إلى 100 ألف جنيه بعد أن كان 90 ألف جنيه قبل 10 أيام فقط، كما أشار إلى ارتفاع سعر كيلو اللحم القائم من 180 جنيهًا إلى 200 جنيه للأنواع الجيدة. هذه الأرقام تكشف أن الأزمة تبدأ قبل الذبح وقبل عرض اللحم في الثلاجات.
أبو صدام أشار أيضًا إلى أن مصر تستورد 40% من احتياجاتها من اللحوم، ونحو 50% من مستلزمات الأعلاف من الخارج، وهي نقطة تفسر هشاشة السوق أمام أي اضطراب خارجي. فحين ترتفع تكلفة الأعلاف المستوردة أو تتعطل سلاسل الإمداد، تنتقل الزيادة من الحظيرة إلى الجزار، ثم إلى المستهلك في صورة سعر أعلى للكيلو. وفي تصريح آخر خلال يناير، قال إن ارتفاع أسعار التبن، الذي يستخدم كغذاء أساسي للمواشي، دفع المربين إلى الاعتماد عليه كبديل في ظل بقاء الأعلاف عند مستويات مرتفعة.
المحصلة هنا واضحة. تكلفة التربية ترتفع من أكثر من باب. العلف يرتفع. التبن يرتفع. الحيوان القائم يرتفع. ثم يصل المستهلك إلى واجهة المحل ليجد أن كل الأصناف تقريبًا تحركت في الاتجاه نفسه. لذلك لا يبدو الحديث عن “استقرار شهري” مطمئنًا بقدر ما يبدو تأجيلًا محاسبيًا لصعود جارٍ على الأرض بالفعل.
الحرب والنقل والتأمين.. ضغط خارجي يضاعف الأزمة الداخلية
العامل الخارجي لم يعد تفصيلًا جانبيًا. بوابة الشروق نقلت عن حسين أبو صدام أن تداعيات الحرب أثرت على النقل والتأمين، وأدت إلى رفع المستوردين للأسعار. كما أشار إلى أن أسعار الأعلاف، بما فيها الذرة الصفراء وفول الصويا والردة، زادت بين 5% و10% خلال الأيام العشرة الماضية. هذه النسبة وحدها كافية لتفسير جانب معتبر من الموجة الحالية، لأن السوق المحلي يعتمد بدرجة كبيرة على خامات ومستلزمات تأتي من الخارج.
وفي السياق نفسه، قال سامح السيد، رئيس شعبة الدواجن بغرفة الجيزة، إن سعر طن العلف وصل إلى 22,800 جنيه، وإن العلف يمثل 70% من تكلفة الإنتاج، مضيفًا أن تلاقي التوترات الخارجية مع زيادة مدخلات الإنتاج محليًا أحدث هزة في السوق. ورغم أن تصريحه كان عن الدواجن، فإن الدلالة الاقتصادية واحدة: عندما تصعد الأعلاف والشحن والتأمين والوقود في وقت واحد، يصبح استقرار أي بروتين حيواني مسألة شديدة الصعوبة.
مصادر اقتصادية أخرى ربطت بين الحرب على إيران وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري، وبين تذبذب إمدادات الحبوب والمواد الخام الداخلة في صناعة الأعلاف. وهذا الربط يفسر لماذا جاءت زيادات اليوم جماعية، لا تخص صنفًا بعينه. فالمشكلة ليست في الضاني وحده، ولا في البتلو وحده، ولا في الكندوز وحده. المشكلة في سوق يتحمل من الداخل عبء تكلفة مرتفعة، ومن الخارج عبء اضطراب إقليمي مفتوح، وفي النهاية يدفع المستهلك الثمن كاملًا عند كل زيارة للجزار.

