لم يكن تعيين محمد باقر ذو القدر أمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني مجرد تبديل اسم في موقع حساس. القرار جاء في لحظة حرب مفتوحة وضغط داخلي وخارجي غير مسبوق، وبعد مقتل علي لاريجاني في ضربة إسرائيلية أكدت طهران وقوعها رسميًا. لذلك يُقرأ التعيين باعتباره خطوة لإعادة شد قبضة المؤسسة الأمنية، وإسناد غرفة القرار إلى رجل خرج من صلب “الحرس الثوري” ويحمل تاريخًا طويلًا في الأمن والسياسة معًا.

 

المنصب الذي انتقل إليه ذو القدر ليس منصبًا بروتوكوليًا. المجلس الأعلى للأمن القومي هو أحد أهم مراكز صناعة القرار في إيران، وخصوصًا في أوقات الحرب والتفاوض والردع. ومع صعود رجل وُصف لسنوات بأنه من الوجوه الصلبة في التيار الأصولي، تبدو الرسالة الإيرانية مزدوجة: لا ارتباك في قمة الدولة رغم الضربات، ولا نية لتخفيف القبضة الأمنية بينما تُدار معارك الميدان والسياسة في وقت واحد. تعيينه تم في سياق سلطة إيرانية أعيد ترتيبها بعد مقتل علي خامنئي، ثم انتخاب مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى في مارس 2026، مع بقاء مسعود بزشكيان في موقع الرئاسة.

 

رجل من داخل الحرس لا من هامش الدولة

 

محمد باقر ذو القدر، المولود في 1954، ليس شخصية طارئة على النظام الإيراني. أهم ما في سيرته أنه تحرك لسنوات بين مستويين يحددان بنية الدولة في إيران: المؤسسة العسكرية، ثم الإدارة السياسية والأمنية. فقد شغل منصب نائب القائد العام للحرس الثوري بين 1997 و2005، وهي فترة مفصلية في تثبيت أدوار الحرس داخل الأمن الداخلي والقدرات العسكرية الإيرانية. وحين يختار النظام رجلًا بهذه الخلفية في هذا التوقيت، فهو لا يبحث عن إداري تقليدي، بل عن شخصية تعرف بنية الحرس من الداخل وتفهم كيف تتحرك الدولة تحت النار.

 

بعد خروجه من هذا الموقع العسكري، اتجه ذو القدر إلى العمل الحكومي والأمني. شغل منصب نائب وزير الداخلية للشؤون الأمنية في عهد محمود أحمدي نجاد، ثم انتقل إلى مواقع أخرى داخل بنية النظام، كان آخرها أمانة مجمع تشخيص مصلحة النظام. هذا المسار مهم لأنه يكشف أن الرجل ليس مجرد قائد ميداني سابق، بل مسؤول تعامل مع الأمن الداخلي، والإدارة التنفيذية، ومؤسسات التوازن بين مراكز القوة داخل الجمهورية الإسلامية. لذلك فإن حضوره اليوم على رأس المجلس الأعلى للأمن القومي يعني جمع الخبرة الأمنية الخشنة مع خبرة إدارة الدولة من الداخل.

 

هذا النوع من الشخصيات يلقى عادة قبولًا داخل دوائر الحرس والأصوليين معًا. فهو ليس إصلاحيًا، وليس محسوبًا على خطاب التهدئة. بالعكس، صورته السياسية ارتبطت طويلًا بالدفاع الصارم عن بنية الثورة ومؤسساتها. ومن هنا يمكن فهم لماذا بدا اسمه مناسبًا في لحظة يشعر فيها النظام أن الخطر لم يعد خارجيًا فقط، بل يمس تماسك الطبقة الحاكمة نفسها بعد استهداف شخصيات من الصف الأول.

 

تعيين في زمن الضربات.. ماذا تريد طهران أن تقول؟

 

توقيت التعيين لا يقل أهمية عن اسم صاحبه. فإيران أعلنت رسميًا مقتل علي لاريجاني، الذي كان أحد أهم رجالها السياسيين والأمنيين، في ضربة إسرائيلية خلال الأسبوع الماضي. هذه الخسارة لم تكن عادية، لأن لاريجاني كان رجلًا يجمع بين التفاوض والصلابة، وبين الخبرة السياسية والعلاقة الوثيقة بمراكز القرار العليا. لذلك فإن اختيار ذو القدر بعده يشي بأن النظام قرر سد الفراغ عبر شخصية أكثر التصاقًا بالبنية الأمنية والعسكرية، لا عبر وجه دبلوماسي أو توافقي.

 

الرسالة الأولى من هذا القرار موجهة إلى الداخل الإيراني. الدولة تريد القول إن الضربات التي أصابت قمة هرمها لم تكسر قدرتها على إعادة ترتيب مراكز القرار بسرعة. التغيير هنا ليس فقط استمرارًا إداريًا، بل عرض قوة مؤسسي. فحين يسقط مسؤول بحجم لاريجاني، ثم يُستبدل بسرعة برجل له تاريخ طويل في الحرس والأمن، فإن المعنى أن النظام ما زال يعتمد على خزان قديم من الكوادر الثقيلة، لا على حلول مؤقتة أو شخصيات وسطية.

 

الرسالة الثانية موجهة إلى الخارج، وخصوصًا إلى الولايات المتحدة وإسرائيل. اختيار ذو القدر في قلب هذه الحرب يوحي بأن طهران لا تتجه إلى تخفيف نبرتها الأمنية، حتى لو كانت هناك أحاديث عن قنوات خلفية أو نقاط اتفاق يجري تداولها. على العكس، تبدو إيران كأنها تقول إن أي حديث عن تهدئة أو صفقة سيمر أولًا عبر ميزان الأمن القومي، لا عبر مناخ دبلوماسي مرن. وهذا يجعل موقع أمين المجلس الأعلى للأمن القومي أكثر تأثيرًا في المرحلة الحالية، لأنه لن يدير ردود الفعل فقط، بل سيشارك في رسم حدود أي تفاوض محتمل.

 

بين الحرب والتسوية.. أين يقف ذو القدر؟

 

في الظروف العادية، يُنظر إلى أمين المجلس الأعلى للأمن القومي باعتباره منسقًا بين مؤسسات القوة. أما في زمن الحرب، فيصبح أحد العقول التي تربط بين الميدان والقرار السياسي. هنا تبرز أهمية شخصية مثل ذو القدر. هو ليس رجل علاقات عامة، وليس سياسيًا ليّنًا يمكن تقديمه بوصفه واجهة تهدئة. خلفيته تقول إنه أقرب إلى مدرسة “التحصين” و”إعادة الإمساك بالمفاصل”، وهي مدرسة تقوم على أن الرد على الاختراقات الأمنية لا يكون بتخفيف القبضة، بل بإعادة تشديدها.

 

هذا لا يعني بالضرورة أن الرجل سيغلق أبواب التفاوض. لكنه يعني أن أي تفاوض سيمر من منظور أمني ثقيل. أي اتفاق محتمل، أو حتى هدنة مؤقتة، سيُقاس بقدر ما يحفظ بنية الردع الإيرانية ويمنع تحويل الحرب إلى باب لاختراقات سياسية أعمق. ومن هذه الزاوية، فإن تعيينه لا يعبّر فقط عن رغبة في إدارة الأزمة، بل عن رغبة في تعريفها أصلًا: طهران لا تريد أن تُقرأ هذه المرحلة كفترة انتقال أو ضعف، بل كلحظة تعبئة جديدة.

 

لهذا السبب بالذات يبدو اسم محمد باقر ذو القدر أكثر من مجرد خلف لعلي لاريجاني. هو عنوان لمرحلة تتقدم فيها الدولة الأمنية على أي اعتبار آخر. مرحلة تُدار فيها إيران تحت ضغط الحرب عبر رجال يعرفون المؤسسة العسكرية، ويفهمون خرائط الولاء داخل النظام، ويملكون القدرة على الإمساك بخيوط القرار حين تتداخل الجبهات الخارجية مع حسابات البقاء في الداخل. وفي هذا المعنى، فإن تعيينه لا يشرح فقط ما جرى في طهران، بل يكشف أيضًا كيف تريد الجمهورية الإسلامية أن تدخل بقية المعركة: بعقل أمني صلب، لا بهامش سياسي واسع.