لم يعد الجدل حول «حكاية نرجس» مجرد نقاش فني عن أداء ممثلة موهوبة أو حبكة ثقيلة ومؤلمة. النقاش انفجر في مكان آخر. في الرسالة الكامنة خلف الصورة. العمل حصد إشادات واسعة بسبب أداء ريهام عبد الغفور، لكن هذا النجاح نفسه فجّر اعتراضا مقابلا. اعتراضا يرى أن الدراما المصرية عادت مرة أخرى لتقديم المحجبة بوصفها امرأة مأزومة ومكسورة ومشوَّشة ومثقلة بالقبح النفسي، ثم فعلت ذلك هذه المرة بمهارة تمثيلية عالية جعلت الرسالة أكثر نفاذا لا أقل. هنا لم يعد السؤال: هل أبدعت ريهام؟ بل: في خدمة أي صورة جرى هذا الإبداع؟
عدد كبير من المتابعين رأى أن ريهام قدّمت واحدا من أهم أدوارها. وأنها جسدت شخصية نرجس بكل تناقضاتها وانفعالاتها ووجعها الداخلي. هذا التقدير الفني واضح ومفهوم. لكن في المقابل ظهر تيار آخر اعتبر أن العمل يكرر قالبا قديما في الدراما المصرية. المحجبة ليست امرأة عادية من الناس. ليست ناجحة أو متوازنة أو خيّرة أو مطمئنة. بل غالبا امرأة تحمل شقاءها على وجهها، وتجر خلفها اضطرابا أو قهرا أو جهلا أو جريمة. والخطر هنا أن «حكاية نرجس» لم يقدم هذا القالب بصورة فجة يسهل رفضها، بل قدمه بأداء محكم، جعل كثيرين يتعاطفون مع الشخصية، وفي الوقت نفسه يرسخون في الوعي صورة سلبية عن المظهر الذي اختاره العمل لها.
إشادة واسعة بالأداء.. واعتراض أوسع على ما وراء الأداء
كثير من التعليقات التي دافعت عن العمل ركزت على أن ريهام عبد الغفور اشتغلت على الشخصية بعمق نادر، وأنها عبّرت بالنظرات وتفاصيل الجسد قبل الكلام، وأن المسلسل نجح في لفت الانتباه بعيدا عن صخب الترندات. خالد منتصر كتب مشيدا بالمسلسل وبكلمات التتر، وقال إن العمل عبّر بعمق عن معاناة البطلة وصراعها مع مجتمع قاسٍ، ورأى أنه يطرح سؤالا مهما عن كيفية صناعة الشر، وكيف تتحول الضحية إلى متهمة. هذه قراءة ترى في المسلسل بعدا إنسانيا وتفسيرا نفسيا، لا دفاعا عن الجريمة ولا تبريرا لها.
لكن المشكلة ليست هنا. المشكلة أن هذه القراءة الفنية لا تلغي ما هو أوضح على الشاشة. نرجس لم تُقدَّم فقط امرأة مريضة أو مسحوقة. قُدمت أيضا في هيئة بصرية محملة بدلالات جاهزة. حجاب واسع. مظهر محافظ. بساطة شديدة في الملبس. انكسار ظاهر. ثم سلوك معقد وعنيف ومربك. هذا الربط لا يمكن التعامل معه باعتباره بريئا أو عرضيا، خصوصا في سياق دراما تراكمت فيها، لسنوات طويلة، صورة المحجبة المأزومة أو المضطربة أو الكارهة لحياتها.
الناقدة سالمة المغربي، رغم هجومها الصريح على دراما رمضان هذا العام واعتبارها أن أغلبها غارق في الإجرام والانحراف والقتل والاغتصاب والتشرد والخطف، توقفت عند «حكاية نرجس» وأشادت بأداء ريهام، مؤكدة أنها تعاطفت مع الشخصية خصوصا في مشاهد المرض والانهيار. هذه الملاحظة تكشف مفارقة العمل بوضوح. الأداء قوي إلى درجة انتزاع التعاطف. لكن القوة نفسها تجعل الصورة المبطنة أشد تأثيرا. لأن المشاهد لا يرى مجرد شخصية سيئة. بل يرى محجبة شعبية محافِظة تتجسد أمامه باعتبارها كتلة من البؤس والاضطراب ثم يتعاطف معها. وهذا أخطر من النفور المباشر، لأنه يربط الحجاب بالانكسار والاختلال لا على سبيل الكراهية الصريحة، بل على سبيل “الفهم الإنساني”.
https://www.facebook.com/photo?fbid=2060119341588252&set=pcb.2060119498254903
حين تخدم الموهبة صورة نمطية قديمة
خالد حمدالله كتب أن ريهام عبد الغفور قدمت شخصية “تُدان وتُفهم في الوقت نفسه”، وأن قوتها ظهرت في قدرتها على خلق حيرة لدى الجمهور، فلا هي شخصية سهلة الحب ولا سهلة الرفض. والكاتب سعيد الورداني وصف الأداء بأنه “درس في فن التخلي”، لأن ريهام تخلت عن صورتها ورفاهيتها لتذوب في الشخصية، معتبرا أن الملابس البسيطة والحجاب الشعبي منحا نرجس مصداقية كبيرة، حتى رأى الجمهور نرجس لا ريهام. وهذا التوصيف، رغم أنه قيل في مقام المديح، يكشف بيت القصيد. لأن “المصداقية” هنا لم تُبن فقط على التمثيل، بل على استدعاء شكل اجتماعي وديني محدد، ثم ربطه بحمولة نفسية سوداء.
بعض المتابعين دافعوا عن هذا الاختيار بقولهم إن التعاطف مع نرجس طبيعي لأنها شخصية غير سوية نفسيا، وإن العمل لم يبرر الجريمة بل قدم خلفية تفسرها. هذا الدفاع لا يحسم شيئا. لأن الاعتراض ليس على وجود شخصية محجبة سيئة. الاعتراض على التكرار. على أن المحجبة، خصوصا بالحجاب الفضفاض والمظهر المحافظ، تُستدعى مرارا عندما تحتاج الدراما إلى امرأة يطحنها القهر أو يشوهها المرض أو تدفعها الظروف إلى القبح. أما المرأة غير المحجبة أو الأقل التزاما في المظهر، فغالبا ما تنال مساحات أوسع من الخفة أو الجاذبية أو البطولة أو التعقيد الذي لا يحمل وصمة بصرية جاهزة.
هنا جاءت تعليقات أكثر غضبا وحدّة. حماده زاهر كتب: “للأسف الدوله بتشجع الناس دي وبتدعمهم ونفس الناس دي لاتجرؤ علي عمل مسلسل عن قساوسه مغتصبين اطفال ولا يقدروا يجيبوا قصه صبري كامل اللي كل مصر عارفاها لكن الإسلام هوه الحيطه المايله عند الناس وللأسف الناس دي بتدعي الإسلام وهو بريء منهم”. هذا التعليق، رغم حدته، يكشف شعورا واسعا بأن الحجاب في الدراما ليس مجرد ملابس للشخصية، بل “حيطة مائلة” يجري تعليق التشويه عليها من دون كلفة.
وعلقت نور الحياة بلهجة سياسية أكثر مباشرة: “كان لسه بيشييد بالدراما الرمضانيه …. بيشيد بالفن الهابط وانهم ماشيين على الطريق الصحيح …يعنى بيشجعهم على فنهم الهادم للمجتمع … والواضح انهم متوجهين من الدوله لتشويه كل ما هو اسلامى للاسف عندا فى الاخوان”. هذا النوع من التعليقات لا يكتفي برفض المسلسل، بل يضعه في سياق أوسع، يرى أن هناك توجها عاما في الدراما لتشويه كل ما هو إسلامي تحت اسم الواقعية والتعقيد.
من الجدل الفني إلى سؤال التشويه المقصود
كمال عبد الغفار ذهب إلى زاوية أخرى حين علّق على تصريحات ريهام عبد الغفور بأن العمل مستوحى من قصة حقيقية، فكتب بلهجة هجومية أن “الفنانة التى قامت بهذا الدور القذر وارتدت فيه الحجاب كتمثيل شوهدت فى لقاء عام وهى تجلس غير مستورة حتى العورة”. هذا التعليق لا يضيف قيمة فنية للنقاش، لكنه يكشف حجم الغضب الذي انفجر حول فكرة استخدام الحجاب كأداة أداء ثم خلعه خارج التمثيل، بما عزز لدى بعض الغاضبين الإحساس بأن الأمر كله مجرد توظيف رمزي لصورة دينية في سياق قذر أو صادم.
الاعتراض الأكثر تماسكا جاء من عمر المصري، الذي سأل بوضوح عن سبب غياب صورة المحجبة الطيبة في الأعمال الفنية، ولماذا تظهر المحجبة دائما في صورة المجرمة أو المعقدة نفسيا. وأشار إلى أن الحجاب الفضفاض الذي ظهرت به نرجس هو نمط ترتديه الأكثر التزاما، متسائلا عن سبب ربط هذا المظهر تحديدا بسلوك إجرامي أو شخصية مضطربة. هذا السؤال يضرب العمل في مقتل، لأنه لا يهاجم الفن من الخارج، بل يواجهه من داخل منطقه البصري نفسه.
https://www.facebook.com/mralmsry.840375/posts/pfbid02jtEQnA8dzqbzsQh6KL5Wdg6f5vtjnGwiSiFwWHQqKdaUQUhGhSwpH9vtPa8xMtmhl
وفي منشور آخر، رأى عمر المصري أن هذا النوع من الأعمال يرسخ صورة سلبية في ذهن الأطفال والبسطاء، ويجعلهم يربطون بين الحجاب والسلوك الإجرامي، معتبرا أن ذلك امتداد لخطاب درامي قديم بدأ منذ عقود، وأن الدراما كثيرا ما منحت البطولة والتعاطف لشخصيات أخرى رغم انحرافها، بينما وضعت المحجبة والملتحي في قوالب نمطية سلبية.
وسط هذا كله، أصرت ريهام عبد الغفور على أن الهدف لم يكن تشويه أي فئة، بل تقديم حالة إنسانية صعبة، وقالت: “الناس تعاطفت مع شخصية نرجس علشان هي غير سوية ومريضة”. لكن هذا الدفاع لا ينهي الأزمة. لأن المسألة لم تعد في نية الممثلة ولا في براعة الأداء. المسألة في الأثر. والأثر هنا واضح. «حكاية نرجس» أعادت فتح ملف قديم لم يغلق: كيف تستخدم الدراما المصرية العمل القوي والتمثيل اللامع لتمرير صورة مبطنة عن المحجبة، لا بوصفها إنسانة عادية بين الناس، بل بوصفها مرادفا للشقاء والاختلال والقسوة المكبوتة. وهذا بالضبط ما جعل الإشادة بالمسلسل تتحول، عند كثيرين، إلى دليل إدانة لا إلى شهادة براءة.

